مسافر عبر الزمن: كيف يسافر كبار السن عبر الزمن كل يوم؟

يتسارع الهتاف ويتعالى في مساحة تضج بالناس، يكاد المار في الحي المجاور أن يسمعهم وكأنهم يهمسون في أذنه. مباراة حُسمت اشواطها للتو وخلفت المشاعر تتأجج لدى الطرفين، تتذبذب الكفة ما بين مشجع ساخط يحمل إحباط خسارته، ومغتر فخور يتباهى بانتصاره، ولولا رجال الأمن لانقلبت الساحات إلى حلبات مصارعة.

من بين الجمعان وقف رجل تجاهلته الجماهير، لم ينتم لأيٍ من الطرفين، ويحسبه الرائي من بعيد سرابًا من فرط اختلافه عمّا حوله. يبدو وكأنه تعديل قام به المصور بعد التصوير، أو ربما رجل مسافر عبر الزمن وقد عارض هذا المكان رحلته في البحث عن حبه الضائع.

يجول الرجل بنظره دون أن يرى ما أمامه، لا يبحث عن ضالته في الأعين ولا في الأماكن، بل من خلال شعور داخلي احتواه يومًا واختفى الآن. تنبت شفاه بأحرف دون صوت، وكأنه طفل في مرحلة التعلم يتهجى الكلمات بصمت قبل أن ينطقها. يتوقف عن محاولة تفسير ما بداخله ويعود للتمعن حوله ويتساءل “في أي بقعة أرض وقعت؟” بينما يستمر الجمع الغفير من حوله في نزالهم اللامرئي الذي ابتدعوه. 

يسهى الذهن المنشغل عن إدراك حاجة الحائر للمساعدة، ولأنه غفل عنه فقد عجز وهو قادر. وكذلك كان ٩٩٪ من المارين حول هذا الرجل. نصفهم منشغل بأخطاء اللاعبين التي أدت للخسارة، والنصف الآخر لا يرى سوى طريق الخروج لتبشير من حوله والاحتفال، وكأنه حصل على ترقية سوف تغير مستواه المعيشي.

خفتت الجماهير شيئًا فشيئًا حتى خلا المكان سوى من هذا الرجل العالق في الزمن، وفتى آخر وُلد في غير زمانه. ذلك الفتى الذي خرج من كفن والديه هائمًا يبحث عن ذاته، قد قضى عمره القصير بين دفات الكتب، حتى تجاوز أقرانه عقليًا وعصى عليه الانسجام معهم. تلك الثغرة التي تشاركوا ألمها حفزت الفتى على تقديم المساعدة.

نحن المشاهدين والقراء نفترض أنه مسافر عبر الزمن، ولكننا إلى الآن لم نصل إلى فحوى قلبه و نستفسر عن حاله، ونفترض كل هذا من مظهره. جسد هزيل يكسوه ملابس بالية، كل ١٠ سم من ردائه قد حيكت بقماش مختلف. كمه الأيسر أقصر بقليل من كمه الأيمن ويتكون من عدة رقع وُصلت ببعضها، أقمشة متعددة في الثقل والنوع واللون، متشكلة ومتفاوتة في زمن الخياطة. نستطيع تبين ذلك من امّحاء آثار الخيط واهتراء بعض الأقمشة دون سواها. أكثر العناصر لفتًا هي رقعة في منتصف القميص تبدو حديثة، وكأنها سافرت بدورها عبر الزمن لتصل إلى لباسه، أو ربما تكون حديثة للغاية إلى حد أنه وضعها قبل دقائق لرقع ما سببته آلة الزمن من ضرر على ملابسه. قد تظنه مشردًا، ولكن ذقنه الحليق، وشعره المصفف ينفي ذلك.

صمته مقلق لكن محياه يبعث على الحيرة، وحيرته تبدد الشك. تردد الفتى، ولكنه بادر بالقول متغاضيًا عن تعارض المعطيات، لابد أن منظره الحائر لمس شيئًا داخله.

  • “عمي! هل تحتاج إلى المساعدة؟”

التفت الرجل الكهل إلى الصبي وكأنه ينازع انتباهه المحدود ويخرجه من تيهانه، حدق الرجل في عيني الفتى وكأنه يقرأ نواياه قبل أن يطلب المساعدة. ثواني من الصمت مضت وكأنها دهر -وربما تكون كذلك بالنسبة لهذا الرجل- ومن ثم أعاد الفتى سؤاله بصياغة أخرى.

  • “هل تبحث عن أحدهم؟”

استعاد الرجل وعيه من حيث تركه وبصمت أخرج ورقة من جيبه المهترئ – والذي بالكاد يحمي ورقته الثمينة عبّارة الأزمان – وناولها للفتى.

كُتب على الورقة بخط متناسق عنوان ورقم هاتف. بدت الورقة وكأنها بطاقة عمل لائقة تناقض كل شيء آخر يتعلق بهذا الرجل.

اتصل الفتى بالرقم المرفق واستمع لصوت الخط وهو يحاول الوصول. انتظر الطرف الآخر وهو يزدري ريقه خوفًا مما أقحم نفسه فيه. تراود لذهنه أسوأ الاحتمالات، عصابات شرسة، وحياة وراء السجون، وأصوات طلقات نار ينفذ بجلده منها. ومع استقرار ريقه في بداية المريء ردت امرأة بصوت حيوي:

  • “مرحبًا هذا دار العجزة، كيف يمكنني خدمتك؟”
  • “اعذريني إن كان ما أقوله غريبًا أو يبدو غير مترابط” قال بارتياح بعد أن تشتت خوفه “أقف في ساحة مزدحمة بالناس ولفت نظري رجل عجوز حائر فيما يفعل، وصامتٌ لا ينطق بشيء، ومنظره رث يصعب تجاهله. يبدو وسط الساحة وكأنه مسافر عبر الزمن. اقتربت منه لأساعده في حيرته وأرده إلى أهله، وناولني ورقة تحوي هذا الرقم واتصلت به تلبية لطلبه، فهل تعرفين هذا الرجل؟”
  • “ماذا تقصد بقول (مسافر عبر الزمن)؟”
  • ” أنا لا أعلم بصدق من أين أتى، ولكن تفاعله مع العالم، ونظراته لما حوله تشي بجهله التام. وكأنه يرى الكهرباء لأول مرة في حياته.”
  • “أووه” قالت كمن ربط الأمور ببعضها وحل اللغز “هل يرتدي قميصًا به رقعة خضراء فاقعة اللون مغايرة لبقية اللباس؟”
  • “نعم، تمامًا كما قلتِ”
  • “شكرًا لاتصالك هذا هو العم خلدون. إنه رجل جُبل على الفقر حتى عجز عن توفير حياة كريمة له ولزوجته، يفضل ملابسه الرثة حتى بعد تحسن حاله، وكأنه لا يرضى بالعيش الرغد بعد وفاة زوجته. كما أنه خرس وتردى ذهنه بسبب الزهايمر. لابد أنه خرج خلسة دون أن ندرك وأضاع طريق العودة، ولحسن حظه أنك وجدته.”

بدأت الخيوط تتصل ببعضها، واضمحلت الألغاز المحيطة بهذا الرجل. عاد الرجل لدار الرعاية بسلام، وأكمل يومه كما بدأه في حيرة لا ينزعها عنه سوى الموت.

ربما يكون هذا الرجل قد سافر بالفعل عبر الزمن، ولكن بشكل طبيعي عبر التقدم في السن والوصول إلى أرذل العمر. بعد كل هذه السنين أصبح ما عاشه هذا الرجل ونشأ عليه جزء من التاريخ البعيد، ويُعد عيشه كما اعتاد لمن حوله كالمسافر عبر الزمن، قديم وغير مندمج مع إطار الحداثة.

ما بين الذاكرة والحاضر تقع فجوة زمنية عميقة، هذه الفجوة قد تتسع إلى حد جعل العالق في ذاكرته كالمسافر عبر الزمن.