أهمية التهيئة قبل القراءة: أفضل أدوات تساعد على التركيز على القراءة
للقراءة طقوسها التي تخص القارئ وحده دون سواه، سواء كانت هذه الطقوس متعلقة بنوعية الكرسي الذي يجلس عليه، أو الإضاءة التي تقبع فوقه، أو حتى التهيئة الداخلية والنفسية التي تضع القارئ في مزاج أفضل للقراءة.
إن تهيئة الأجواء المثالية للقراء ليست رفاهية، بل هي العامل الأول الذي يساعد على التركيز. بدون جو مهيأ سوف يجد القارئ نفسه ما بين أطفال يصرخون حوله، أو في مكان مظلم لا يرى الأحرف التي أمامه، أو مسترخيًا أكثر من اللازم إلى حد الاستغراق في النوم.
في زمن الإشعارات المستمرة، والمحتوى السريع، أصبح التركيز أثناء القراءة مهارة نادرة. كثير من الناس يجلسون مع كتاب، لكن بعد دقائق يجدون أنفسهم يفكرون في أشياء أخرى، أو يتفقدون الهاتف، أو يقرأون صفحات كاملة دون أن يتذكروا منها شيئًا.
في هذا المقال، سوف نستعرض أفضل الأدوات التي تساعد على التركيز أثناء القراءة، وكيف تستخدمها بطريقة عملية، دون تعقيد أو مبالغة.
لماذا أصبح التركيز أثناء القراءة أصعب من السابق؟
قبل الحديث عن أفضل أدوات تساعد على التركيز على القراءة، من المهم أن نفهم المشكلة. توجد عدة نقاط تجعل القراءة صعبة على أفراد المجتمع في الوقت الحالي. منها ما هو متعلق بالشخص، ومنها ما هو متعلق بالبيئة:
- المشتتات المستمرة: إشعارات لا تنتهي، وتعدد المهام، والتنقل السريع ما بين التطبيقات. كل هذه الأمور تجعل الجلوس للقيام بعمل بطئ مثل القراءة أمرًا شبه مستحيل. مع هذه المشتات يصعب التركيز على مهمة واحدة لمدة معينة من الزمن، وبدل ذلك ينقسم إلى أشلاء لكي يسع كل كل المهام التي حددناها، ويذرنا بدون تركيز.
- تعدد الخيارات: صدور الكتب أصبح بشكل يومي، ومع الخيارات اللانهائية التي بين أيدينا أصبح من الصعب أن يختار أحدهم كتابًا.
- التوتر والانهماك في أمور الحياة: من المهام الوظيفية وحتى الاعتناء بالأطفال، كل هذه الأمور تشغل المرء وتجعل القراءة أمرًا صعبًا.
- الاعتماد على المعلومات السريعة: مع تطور الذكاء الاصطناعي وقدرته على تلخيص الكتب في صفحتين، قلت الحاجة لقراءة ٣٠٠ صفحة لاستخلاص المعلومات، ولكن هذا أخذ أيضًا من متعة القراءة والجلوس وحدنا لتفكيك ألغاز الكتاب. قد تجدي هذه الطريقة مع الكتب غير الروائية، ولكن تلخيص الأعمال الأدبية سوف يغيرها من معناها ومغزاها.
- الضغوطات على القراء: أصبح المجتمع يفرض القوانين ويحدد ما يستحق القراءة مما لا يستحق، ويُحكم على القارئ حسب نوعية الكتب التي يقرأها أو عددها، بعد أن كان المرء يقرأ ما يحب من الكتب. على سبيل المثال: يعتقد البعض أن الروايات لا تعتبر من الكتب، وأن القراءة بالكمية وليس بالنوعية. كل هذه الضغوطات تجعل القارئ أقل شغفًا بالقراءة.
لكن باستخدام أدوات تساعد على التركيز على القراءة، يمكنك استعادة قدرتك على القراءة بتركيز وهدوء.
اطلع على مقال: استبدلت جوالي “الايفون” بقارئ إلكتروني: نظرة مغايرة للتكنولوجيا التي لا يُستغنى عنها إن كنت تريد معرفة المزيد عن علاقة الهواتف الذكية بنقصان التركيز.
1. مذكرة القراءة: أفضل أداة لتحويل القراءة من استهلاك إلى فهم
كثير من الناس يظنون أن التركيز أثناء القراءة يعني “إجبار النفس على الانتباه”، بينما قد يؤدي هذا إلى نتيجة معاكسة، لكن الحقيقة أن العقل يركز أكثر عندما يكون مشاركًا. وهنا تأتي أهمية كتابة الملاحظات أثناء القراءة.
تدوين الملاحظات سواء كان ذلك في هوامش الكتاب، أو في دفتر منفصل، أو مذكرة قراءة مخصصة، يحول القراءة من فعل تلقي إلى فعل نشط. إن تحويل القراءة إلى فعل نشط يجعلك تحتفظ بالمعلومات لفترة أطول. الأمر يشبه الفرق بين الاستماع للمحاضرة في صمت، أو المشاركة في الحوار والإدلاء بالأفكار.
لقد تحدثنا عن طريقة تحويل القراءة إلى فعل نشط بالتفصيل في مقال آخر، اطلع على المقال: الحل الأنسب لنسيان الكتب بعد قرأتها: لماذا وضع الخطوط تحت النص لا يجدي. وإذا كنت مهتمًا بالقراءة الواعية، يمكنك أيضًا قراءة مقال: هل تحتاج إلى مذكرة قراءة؟ 5 أسباب ستغيّر طريقتك في القراءة
2. مؤقت التركيز (Pomodoro Timer)
يحل مؤقت التركيز مشكلتين قد تواجه القارئ، وهما: والأخرى هي القراءة لفترات طويلة دون راحة. العقل البشري لا يعمل بأفضل كفاءة لساعات متواصلة،.
يُستخدم المؤقت أكثر الأحيان للاستذكار، ولكن يمكن استخدام المؤقت للقراءة وذلك يحل المشاكل التالية:
- التسويف في القراءة: يمنح المؤقت خدعة نفسية تسهل البدء، عندما تعلم يقينًا أن الأمر لن يستغرق سوى ٢٥ دقيقة فسوف يسهل عليك البدء فيه، وذلك بدل التسويف للقيام بأعمال أخرى.
- قلة التركيز أثناء القراءة: مع وضع المؤقت أنت تضع الحدود، هذا الوقت مخصص للقراءة، ولا يسمح لك أن تتصفح الجوال أو تنهض لتقوم بعمل آخر.
- الاستسلام بعد عدة دقائق من البدء: إن كنت تشعر بالملل بعد ٣ دقائق من القراءة، فإن إجبار نفسك على القراءة لمدة ٢٠-٣٠ دقيقة باستمرار سوف يعود دماغك على التركيز لفترات أطول.
قد تجد صعوبة في إنهاء المدة المحددة في البداية، ولكن مع الاستمرار سوف تجد نفسك تتجاوز الفترة المحددة، وتكمل مستمتعًا بما تفعل. الهدف الأساسي منه هو مضاعفة التركيز خلال الفترة، ولكن يمكنك المواصلة بعد انقضاء المهمة إن أردت.
المؤقت أيضًا يساعد القراء المبتدئين الذين يحاولون تكوين عادات القراءة، البدء بخمسة وعشرين دقيقة والالتزام بها سوف يزيد تدريجيًا من تركيزك. تحدثنا عن طرق أخرى لبناء عادة القراءة في مقال: نصائح تساعدك على بناء عادة القراءة: كيف تبدأ وتستمر دون ملل؟
التسويف إن وضعت المؤقت لمدة ٣٠ دقيقة ومن ثم وبدأت القراءة وأنت تعلم
يمكنك استخدام: مؤقت الهاتف، أو ساعة بسيطة، أو تطبيقات Pomodoro، ولكن يفضل استخدام مؤقت مستقل بعيدًا عن الهاتف لكي لا تلهيك الاشعارات عن أهدافك.
3. قلم التحديد أو الأقلام الملونة
لا تخشى من الكتابة على الكتب. حدد الجمل المهمة، وضع خطوطًا تحت الأفكار الجديدة، ودون ملاحظات جانبية. هذه هي أفضل طريقة لتحويل القراءة إلى نشاط تفاعلي يعمق الفهم، ويجعلك تستفيد أكثر مما تقرأ، ويزيد من تذكرك للمعلومات لاحقًا.
هذه الطريقة تزيد من التركيز ولكن إن استخدمتها بالطريقة الصحيحة، الهدف ليس تزيين الصفحات، بل الكتابة على الكتاب بهدف تعميق الفهم وغرس الأفكار وتوظيفها، حاول ألا تحوّل كل صفحة إلى ألوان كثيرة.
حدد فقط:
- الأفكار المهمة فعلًا
- الاقتباسات المؤثرة
- النقاط التي تريد الرجوع لها
اطلع على مقال: الحل الأنسب لنسيان الكتب بعد قرأتها: لماذا وضع الخطوط تحت النص لا يجدي، لمعرفة المزيد عن كيفية استخدام الكتابة والتحديد لفهم النص بطريقة أفضل.
4. قائمة كتب واضحة بدل القراءة العشوائية
انتشرت مؤخرًا ثقافة شراء كتب أكثر من قدرة الشخص على القراءة في فترة زمنية قصيرة، كأن يشتري الشخص ٣ كتب لكل كتاب ينهي قراءته. هذا بالطبع يخلف قائمة لا نهائية من الكتب والتي يستحيل إنهاؤها.
يوجد جانب آخر يجعل قراءة هذه الكمية من الكتب مهمة شبه مستحيلة، وهو تعدد الخيارات والذي يولد الحيرة. ينظر القارئ إلى مكتبته ويعجز عن اختيار كتاب من بين الكتب المختلفة.
لقد أثبتت الدراسات أن تعدد الخيارات ينفر من الاختيار، وأشهر تجربة في علم سلوك الإنسان هي تجربة المربى. قاموا بوضع طاولة وعليها ٦ أنواع من المربى، وطاولة أخرى عليها ٢٤ نوع من المربى. توقف الناس للاطلاع على الطاولة الثانية أكثر، ولكن معدل الشراء كان أعلى في الطاولة الأولى ذات الاختيارات الأقل.
حدد نوعًا معينًا من الكتب تود التركيز عليه، واكتب أهدافك السنوية للقراءة، بدل اختيار ١٠ أنواع مختلفة من الكتب والتي لن تولد سوى التشتت، وتقلل المتعة.
وجود قائمة قراءة واضحة يساعد على:
- بناء تسلسل معرفي
- تقليل الحيرة
- زيادة الحماس
- الاستمرار لفترة أطول
- يقلل من احتمالية شراء كتب لن تقرأها
إن مذكرة القراءة تعين على تحديد الأهداف، وكتابة الكتب التي تنوي شراءها.
5. مكان منعزل وهادئ
يستطيع بعض الناس التركيز والانعزال عما حولهم أثناء القراءة، بينما يحتاج البعض إلى مكان هادئ لكي يستطيعوا التركيز. وقد تعتمد قدرة الانعزال على نوعية الكتاب، ومدى ثُقل المادة المقروءة.
يُنصح دائمًا ببيئة هادئة بعيدة عن المشتتات. قد يكون ذلك غرفة خاصة، أو زاوية مريحة في المنزل، أو حتى مقهى هادئ بالنسبة لبعض الناس. الفكرة ليست في المكان المثالي بقدر ما هي في تقليل المشتتات التي تقطع تسلسل التركيز أثناء القراءة.
كلما اعتاد العقل على وجود مكان مخصص للقراءة، أصبح الدخول في حالة التركيز أسهل وأسرع. ومع الوقت، يبدأ الدماغ بربط هذا المكان بالهدوء والانتباه، مما يجعل جلسات القراءة أكثر عمقًا ومتعة.
كما يُفضّل إبعاد الهاتف أو وضعه على الصامت أثناء القراءة، لأن المقاطعات المتكررة— ولو كانت لثوانٍ—قد تجعل العودة إلى التركيز أصعب بكثير، خصوصًا عند قراءة الكتب الفكرية أو العميقة.
كيف تجعل القراءة عادة ممتعة وليست مهمة ثقيلة؟
الخطأ الشائع هو تحويل القراءة إلى اختبار إنتاجية، بينما القراءة الممتعة تكمن في التمهل واختيار الكتب المناسبة.
- اقرأ بهدوء: لا تستعجل في قلب الصفحات، وحاول الاستفادة منه قدر الامكان، ولا بأس أن تعيد قراءته.
- اختر الكتب التي تعجبك لا التي تعجب الناس: لا تحاول مطاردة أحدث الكتب، وتوجه التيارات المؤقتة على وسائل التواصل الاجتماعي. تصفح الكتب التي تثير اهتمامك، وأكمل منها ما يعجبك.
- انضم لمجتمع قراء: اختر مجتمع قراء يناسب ذائقتك وأهدافك، وناقش معهم الكتب التي قرأتها. مجتمع القراء يحول القراءة من عمل فردي إلى عادة إجتماعية، وهذا يضيف إلى متعتها.
- اترك الكتب التي لا تعجبك: حتى مع الحرص على التصفح والبحث عن الكتب التي تعجبك، سوف تقع في كتب لن تعجبك. في هذه الحالة من الأفضل أن تتركها وتنقضي لكتب أخرى، لأن الاستمرار في كتاب لا يعجبك سوف يكرهك في القراءة.
اطلع على مقال: كيف تبني مكتبة تقرؤها فعلًا؟ دليل لبناء عادة قراءة عميقة ومستدامة للمزيد من النصائح عن بناء مكتبة تفخر بها وتحب كل ما فيها. ومع وجود أدوات تساعد على التركيز على القراءة، ستصبح القراءة أسهل وأكثر عمقًا مع الوقت.
هل تحتاج كل هذه الأدوات؟
لا. الفكرة ليست شراء كل شيء، بل بناء تجربة قراءة تساعدك على:
- التركيز
- الاستمتاع
- الاستمرار

الخاتمة
التركيز أثناء القراءة لم يعد شيئًا يحدث تلقائيًا كما كان في السابق. بل أصبح مهارة تحتاج بيئة مناسبة، وعادات جيدة، وأدوات تساعدك على العودة للهدوء والتركيز.
هذه الأدوات بسيطة ويمكن توفيرها من بيئتك دون تكاليف إضافية، ولكنها تحدث الفرق الذي يحول القراءة من فرض ممل إلى تجربة مثرية وممتعة.
ومع الوقت، ستلاحظ أن:
- فهمك أصبح أفضل
- تذكرك للمعلومات أقوى
- علاقتك بالكتب أعمق
- والقراءة أصبحت جزءًا حقيقيًا من حياتك اليومية
إذا كنت ترغب في تطوير تجربة قراءتك أكثر، يمكنك تصفح أفضل أدوات تساعد على التركيز على القراءة، والمنتجات المصممة للقراء على المتجر.




