مقدمة: لأي غرض صُنع الجوال وما هو دوره الحالي في عالمنا؟

عندما استبدلت جوالي الايفون كان لدي هدف واحد، وهو استعادة حياتي من التكنولوجيا التي سرقتها. قبل عقدين من الزمن ظهر للحياة اختراع ثوري غير كل شيء، من الطريقة التي نتواصل بها مع الناس، وحتى طريقة الأكل، والانتظار، والتنقل، والشراء، وكل أمور الحياة. كان سابقًا لزمنه ومستبدلًا كل ما جاء قبله، ودخل الأسواق وهو يروج لفكرة الجهاز الذي يقوم بكل شيء.

كيف انتقل هذا الجهاز الصغير من كونه الأداة التي صُممت لمساعدتنا إلى ثقب أسود يبتلعنا. يؤثر على حياتنا الاجتماعية ويسرق منا وقتنا وأفكارنا، بل وحتى جل حياتنا.

في هذا المقال سوف أنقل لكم تجربتي في استبدال هاتفي الذكي بقارئ إلكتروني، وكان الهدف من هذه التجربة هو استعادة زمام الأمور والتوقف عن جعله هو المتحكم.

الأثر الناتج عن استيلاء الجوال على حياتنا: استبدلت جوالي الايفون

كيف بدأ الأمر:

بعد أن تعرف الناس عليه بدأوا بالمهام البسيطة، التواصل مع الأقارب الذين يبعدون الألاف الكيلومترات، وتصفح الانترنت الفوري لاستخراج الإجابات، والتصوير، واللعب وقت الفراغ، واستخدام الآلة الحاسبة، وغيرها من المهام التي كانت منطقية وفعالة.

تدريجيًا استبدل الناس الكتابة على الورق بالكتابة على الجوال، والدفع النقدي بالدفع عن طريق الشبكة التي تصدر منه، واكتفوا بالتسوق عبر الانترنت لكونها وسيلة أسرع وأكثر وفرة في المنتجات، وتعرف الناس على العمل عبر الانترنت وصار كل ما يريدون القيام به.

كيف أصبح:

ومع تغلغل هذه الثقافة التي تروج لحمل العالم كله بين يديك، أصبح الجوال يُستخدم في كل شيء. أصبح الناس يتحدثون عبر الرسائل الخالية من التعابير والنبرات. والذي كان يتأمل ما حوله لاستمداد الأفكار لمشروعه القادم، أصبح يتصفح أفكار الناس التي تعدت المليار، فما يكون له سوى أن يستسلم من كثرتها ويصعب عليه اتخاذ القرار، وبالتالي لا ينهي مشروعه أبدًا.

تمادى الأمر حتى أصبح الناس يقضون جل وقتهم عليه. ومع كثرة استهلاك المحتوى أصبح الشخص لا يجد فرصة لإدلاء بالأفكار لأنه متشبع بأفكار غيره. ووصل الأمر إلى حد انعدام التفكير النقدي والتحليل، لأنه أصبح يتم عن طريق الذكاء الاصطناعي.

وهكذا انتهى بنا الأمر إلى اختراع جهاز ينزع عنا الحس البشري، ومعه التواصل والتعايش الذي كان يربط بيننا. وأضفى علينا الطابع الآلي، والذي يخلو من العمق.

الأثر الذي نتج من فرط استخدام الجوال:

نستطيع تلخيص الأثر في النقاط التالية:

  • شح في الوقت: وذلك بسبب الإدمان الذي سببه وجعل الناس تقضي عليه وقتًا أكثر.
  • التشتت وقلة التركيز: بسبب السرعة التي يوفر بها المعلومة، وسهولة الوصول للتسلية، وبسبب الدوبامين الذي يُفرز سريعًا ويختفي سريعًا. أصبح من الصعب التركيز في الأنشطة التي تستدعي تركيزًا طويلًا، مثل القراءة، والاستذكار، وغيرها.
  • قلة التواصل: صُنعت هذه الأجهزة لكي تقربنا من بعضنا وتُسهل علينا التواصل فيما بيننا، ولكن ما نتج عنها هو العكس تمامًا. تظهر هذه المشكلة في كل ركن وكل زاوية تمر منها. أصبح الناس ينغمسون فيه بدل التحدث لمن حولهم.
  • زيادة في معدلات الاكتئاب: بسبب زيادة معدلات التوتر، والمقارنة مع الآخرين، وخاصة عند المستخدمين اليافعين.
  • التأثير على جودة النوم: خاصة عند استخدامه قرب موعد النوم، يؤثر الضوء الصادر منه على معدل إفراز الميلاتونين (هرمون النوم) وبالتالي المزيد من التعب والإرهاق بقية اليوم.

ورغم أن الفوائد التي يقدمها لا يمكن إنكارها مثل: توفير المعلومات، والخدمات الحكومية، والخدمات البنكية، والتواصل، إلا أن مساوئه قد فاقت كل شيء.

الحل للتخلص من إدمان الجوالات وأثرها:

تتعدد الحلول، ولكن الحل الأفضل يكمن في التخلص من الجوال واستبداله بهاتف غبي “dumb phone”. وهو جهاز يقوم بالميزات المطلوبة دون الأضرار التي تنتج عنه.

توجد الكثير من الخيارات في السوق الحالي، منها ما يقوم بالمهام الأساسية وحسب، ومنها ما يحمل بعض المميزات الإضافية. الخيار الأفضل سوف يكون حسب احتياجات الفرد، ومدى استخدامه له.

سوف يكون من الصعب التخلص من جميع الميزات التي يقدمها مرة واحدة، وخاصة أن بعضها يستخدم في ساحات العمل، أو أصبح مطلبًا اجتماعيًا.

لن نستطيع حصر الأنواع المختلفة من الهواتف في هذا المقال، ولكنني شخصيًا اخترت: bigme hibreak pro وذلك لأنه قارئ إلكتروني ويمكن استعماله كهاتف، والهدف الذي كنت أريد تحقيقه من ذلك هو القراءة في أوقات الانتظار بدل تصفح وسائل التواصل الاجتماعي. والذي تحقق كما سوف أتلو لاحقًا.

مميزات جهاز bigme hibreak pro: استبدلت جوالي الايفون

وهو هاتف متكامل (ذكي)، ولكنه بشاشة قارئ إلكتروني، وذلك يسهل القراءة إن كنت من محبيها، ولكنه يصعب التصفح ومشاهدة المحتوى بسبب طبيعة الشاشة، وهو الهدف الأساسي من استبدال الجوال.

المميزات:

  • يحتوي على التطبيقات الأساسية وذلك لأنه يعمل بنظام أندرويد، مثل: التصفح، الكاميرا، واتس أب، وغيرها من التطبيقات.
  • يقوم بالاتصال واستقبال الاتصالات والرسائل، وذلك بخلاف معظم أجهزة القراءة الإلكترونية.
  • يوفر الخدمات البنكية والحكومية.
  • قارئ إلكتروني في الأساس ولذلك فإن القراءة عليه مريحة للعين. حمل جميع تطبيقات القراءة عليه مثل: أبجد، كيندل، أو حمل الملفات مباشرة.

العيوب:

  • أبطأ من الجوال الذكي التقليدي وذلك بسبب طبيعة الشاشة، ولكنه يعتبر سريعًا مقارنة بأجهزة الحبر الإلكتروني الأخرى.
  • لا يدعم الدفع عبر الشبكة: رغم أن الشركة تزعم وجود هذه الخاصية -والتي هي موجودة- إلا أنهم يفتقرون إلى بعض المعايير والتي تجعل البطاقات البنكية تُضاف بأمان.
  • استخدامه يتطلب بعض التعود: لأنه مختلف في الشكل والاستخدام عن الأجهزة التي اعتدنا استخدامها.

كيف اختلفت حياتي بعد أن استبدلت جوالي الايفون بقارئ إلكتروني: كشخص بشكل عام وكقارئ

إن العصر الذي نعيش فيه مختلف عمّا سبقه من قرون، فقد أصبح العالم كله قرية واحدة. المعلومة في متناول اليد، والصور تنتقل بسرعة الضوء، والمعاملة التي كانت تأخذ يومًا بأكمله أصبحت تستغرق دقائق. مع هاتف ذكي تستطيع العيش ولا تخفى عنك خافية، ولكن كل هذه المميزات لا تعني أننا في وضع أفضل.

ألخص إليك الفوائد الجوهرية التي جعلت حياتي أفضل بدون هاتف ذكي:

الناحية الاجتماعية:

  • محادثات أعمق: بدون هاتف يشغلك، سوف تعير انتباهك لمن حولك من أشخاص، وذلك يقوي العلاقة ويساعد على الخوض في محادثات عميقة.
  • حضور أقوى للمشاعر والانتباه: لأن الهاتف يسرق انتباهنا ويقصره، سوف تجد نفسك حاضرًا ذهنيًا حتى في لحظات الصمت.

الجانب الفكري والعملي:

  • إنجازات أكثر: الوقت الفارغ الذي كنت تقضيه على الهاتف، قد اُستبدل بأعمال وهوايات أخرى. أصبح البعض لا يميز هواياته من كثرة استهلاك المحتوى عبر الإنترنت.
  • أفكار إبداعية أكثر: عندما تتوقف عن المشاهدة والاستماع إلى أفكار غيرك، تسمح لفكرك أن يجوب ويأتي بأفكاره الخاصة.
  • قراءة كتب أكثر: بسبب زيادة التركيز بشكل عام، وبسبب استبدال الوقت الذي كان يُقضى على الهاتف.

المستوى الشخصي:

  • نوم أفضل: وذلك بسبب غياب تأثير الشاشات على الجسد، والسماح لهرمونات النوم أن تفرز بشكل طبيعي.
  • تركيز أعلى: سوف تجد نفسك مستغرقًا فيما تفعل لساعات دون الشعور بالملل، وذلك يشمل القراءة، واللعب مع الأطفال، وغيرها من الأنشطة. وهذا شيء افتقدناه بسبب مشاهدة المحتوى القصير بكثرة.
  • قضاء الوقت مع نفسك: مستغرقًا في أفكارك، تتخذ فيه قرارات مصيرية وأخرى بسيطة. تستكشف النفس وما تريد القيام به، وما تريد التوقف عنه، بدل الخوض في الحياة دون الاتصال بذاتك.
  • تقليل معدلات التوتر والاكتئاب: كل دراسة تؤدي إلى نفس النتائج، إن وسائل التواصل الاجتماعي تزيد من معدلات التوتر والاكتئاب. والابتعاد عنها سوف يقلل الأثر النفسي الذي تسببه.
  • زيادة معدل الرضا: عندما لا تملك سوى حياتك لتعيشها بدون مقارنات مع الآخرين، سوف يزيد معدل الرضا بما تملك.

نصائح عامة إن كنت غير مستعد للتخلي عن هاتفك بالكامل:

يعتبر استخدام الهاتف المفرط نوعًا من أنواع الإدمان، ولذلك يصعب التخلص منه بسهولة. إن كنت تقرأ هذا المقال فإن لديك بعض العزم لإحداث تغيير في حياتك. أصبح الاعتماد على الهواتف الذكية مكلفًا، وفي بعض الأحيان نرى أن ما يسلبه منا أكثر مما يعطينا.

سوف أقدم لك بعض النصائح التي يمكنك البدء بها للتخفيف من مضار الهاتف الذكي، أو حتى الاكتفاء بها دون تغيير الهاتف بالكامل.

  • أغلق التنبيهات: دون تنبيه يشتتك عن النشاط التي تقوم به، ويذكرك بتصفح الهاتف سوف تقل المرات التي تمسكه فيها. وتذكر ألا شيء مستعجل سوف يصلك عن طريق الرسائل. إن الأمور المهمة تفرض نفسها وسوف تصلك حيث كنت.
  • خصص ساعات ثابتة من اليوم دون هاتف: الساعات ما قبل النوم، أو ساعات الصباح، ولكن اجعلها ثابته وجزءًا من نظامك اليومي.
  • احذف التطبيقات المشتتة: لكل شخص نقاط ضعف، جد التطبيق الذي يستغرق معظم وقتك واحذفه، وسوف تستصعب أن تعيد تحميله كل مرة.
  • قلل الاعتماد على الهاتف الذكي: أخرج الكاميرا بدل التصوير بالهاتف، وأخرج لعبة الشطرنج بدل اللعب على هاتفك، وأقرأ كتابًا أو تصفح مجلة بدل القراءة على الهاتف، واكتب على ورقة وقلم بدل الكتابة في الملاحظات، واستعمل منبهًا حقيقيًا بدل وضع الهاتف بجوارك قبل النوم. قلل الاعتماد على الهاتف عن طريق استعمال الأدوات المخصصة للشيء.
  • ضعه في الغرفة الأخرى: لا تجعله ملاصقًا لك أينما ذهبت، فعندما يختفي الهاتف عن الأنظار يقل الاستخدام كنتيجة للحاجز الفيزيائي الذي وضعته.
  • احذف جميع التطبيقات من الصفحة الرئيسية: تستطيع الوصول للتطبيقات عن طريق البحث، ولكن البحث بدل النقر على التطبيق الذي أمامك، يفرض عليك التفكير وتحديد هدفك من فتح الجوال، بدل النقر من باب العادة.
  • فعل انترنت محدود: وهذا سوف يمنعك من مشاهدة المحتوى بدون حدود في حال كنت خارج المنزل.
  • اعتد على الملل: سوف تجد الفترة التي تقضيها دون هاتف مملة، وسوف تشعر بالرغبة في إخراج الهاتف لتسلية نفسك، ولكن إن اعتدت الملل وتجاوزت هذه المرحلة، فسوف تجد الهوايات أكثر متعة.
نصائح لتقليل استخدام الهاتف الذكي

خاتمة: استبدلت جوالي الايفون

لا يتخيل المرء في هذا الزمان كيف عاش الناس قرونًا قبلنا دون هاتف، لأن الهاتف في هذا الزمان أصبح كل شيء.

التخلي صعب وفي بعض الأحيان ليس مطلوبًا. ما ندعو له في هذا المقال ليس العودة للعصر الحجري، ولكن التفكير في كيفية قضاء وقتنا، وأثره على أنفسنا وصحتنا وحياتنا.

لا بأس أن تقضي وقتًا على هاتفك الذكي، ولكن اجعل قلبك وعقلك حاضرًا في كل ثانية، واختر منه ما يضيف إليك ولا يسرق منك، لكيلا يذهب عمرك هباءً منثورًا.

للمزيد من المقالات:

احتجاز في دورة المياه | قصة قصيرة مشوقة من قلب المستشفى