مقدمة: تاريخ الأقلام
هل يوصل الدماغ المتقد بالأفكار صاحبه للقلم، أم أن القلم يبحث عن صاحب الأفكار لكتابتها؟ أيٌ منهم يصنع الآخر؟
وما هو مقدار تأثير القلم على صناعة الأفكار واستمرار التدوين؟
هذه قصة تأملية عن القلم، وتدوين الأفكار.
القصة كاملة: تاريخ الأقلام
على عكس كل شيء آخر، فان الأقلام لا تورث أبًا عن جد متقيدةً بصلة القرابة، ولا حسب التوصيات التي يتركها الغائب، بل تورث عبر التنقل بين الأفكار، تلك الأفكار التي يكتبها المرء في حياته وتوثقها الصفحات.
يلبث المتفكر برهة من الزمن يكبل أفكاره ويمنعها من التناثر. يعزل المشتتات الخارجية، ويعصر تركيزه ويوجهه لكيلا يفقد سيل الكلمات. يعلم يقينًا أن الفكرة إن لم يسجلها الآن فلن يجدها بعد خمسة دقائق. يسارع في مسح المكان بناظريه حتى يجد ضالته. قلمٌ فاخر حُفر عليه اسم مالكه، أو قلمٌ أزرق ضغاط، أو قلمٌ متعدد الألوان، أو حتى قلم حبر زهري أو أصفر فاقع، لا يهم أي الأقلام يجد كلها تفي بالغرض. وإن استعصى عليه إيجاد القلم فإن أي سائل ملون بعونٍ من سبابته يفي بالغرض، قهوة باردة، أو شوكلاه ذائبة، لا يهم لأن الغاية تبرر الوسيلة.
يمسك بالقلم متجاهلًا قوانين الملكية، وينثر كلماته على الورق. كل كلمة تلاحق ما قبلها، وكل سطر يشتاق ليضم ما بعده. وبينما يكتب متطفل الأقلام تلك الصفحات، يمضي مالك القلم إلى سرقة قلم آخر ليقضي حاجته من إلقاء الأفكار، وعلى قدر أهمية هذه العملية، إلا أن قيمة المادة المكتوبة لا ترتقي دائمًا للمستوى. وهكذا يصل القلم إلى الضفة المقابلة من العالم.
إن القلم ينتقي صاحبه، يتلهف إليه ولتدوين أفكاره دون أن يدرك. يضم روحه إلى يد الكاتب ويخط كلماته كأنه ملكه، ولذلك لا نبالغ عندما نقول إن القلم يصنع الكاتب وليس النقيض.
تناقل الأقلام يترك لنا نصوصًا وعبارات وعمليات حسابية، وربما نكات سخيفة. وتستمر بالتنقل حتى تتكسر أو ينتهي حبرها. إن هذه الأفكار التي يكتبها البشر كل يوم قد تبدو سخيفة، ولكنها تغذي دائرة التفكير، وتجعل التدوين يستمر.
عندما يدلي المرء بفكرة فهو يلقيها على آذان تنصت، أما عندما يكتب المرء فكرة ويحفظها من تعرية الزمن فهو ينقلها عبر التاريخ للأجيال من بعده.
أريد ان أروي بعد هذه المقدمة حكاية قلمي متعدد الألوان. استعرته من فتاة نحيلة ترتدي النظارات، انتهت للتو من جولة مطولة مع فريق الصدرية في احدى مستشفيات مكة المكرمة، منهكة ومحملة بطلبات تنتظر من ينجزها. أرادت تخفيف حملها من خلال تسليمي قلمها، الذي ثقل من ثقل ما كتبه حبره. تتخفف بالاستغناء عنه، لعل ما تبقى من حمل يهون.
من ناحيتي كانت الاشغال مكتظة في رأسي، ملتبسة ومعقدة بين فصي دماغي، واحتجت لقلم لكي اترجم أفكاري وأفككها على الورق. وقد ضاع قلمي الرابع لهذا الأسبوع ما بين أوراق القصص وأوراق المرضى.
كان قلمًا متعدد الألوان، أحمر للمهم للغاية، وأخضر للأقل أهمية، وأزرق لكل شيء آخر.
كل قلم كان يزور دفاتري لبرهة من الزمن ومن ثم يمضي، وهذا القلم لم يحود عن القاعدة، بقي سنة كاملة وكأنه يؤدي مهمته الأسمى خلال عمره الافتراضي. سكن جعبتي، والتحم بيدي، وكتب كل النصوص الممل منها، والسعيد.
ولكن قلمي في النهاية سلك دروب من سبقه، وانتقل من بين يدي إلى أيدي أخرى يتقد دماغ صاحبها للإدلاء بما حوى.
وظللت من يومها أفكر في الفتاة التي ناولتني قلمها لترتيب أفكاري، وامتنعت عن اعادته. ها قد سُدد ديني وانتقل إلى شخص آخر.
المغزى والتأمل: تاريخ الأقلام
القصة لا تتحدث عن قلم فقط، بل عن الذاكرة البشرية:
- القلم يتحرك بين الأيدي مثلما تتحرك الأفكار بين العقول.
- كل فكرة يكتبها شخص ما ليست ملكه وحده، بل خطوة في طريق طويل بدأ قبلنا بكثير وسينتهي بعدنا بكثير.
- انتقال الأقلام يشبه انتقال الحكمة… لا أحد يحتفظ بها لنفسه كاملًا.
كما أن القصة تذكّرنا بأن الأشياء البسيطة قد تؤثّر في حياتنا بعمق:
قلم صغير أنهكته جولات المستشفى، وامتلأ بحبر الشقاء والتعب، أصبح أداةً لترتيب فوضى دماغك، ثم انتقل ليرتب فوضى شخص آخر.
كأنه يقول:
“ما تُهديه للآخرين اليوم قد يعود إليك بطريقة أخرى لاحقًا.”
وجمال النهاية أنها تضعنا أمام فكرة الدَين المعنوي:
أنتِ أخذتِ القلم عندما احتجتِ إليه، وأعرتِه لشخص آخر عندما احتاجه…
وهكذا تكتمل الدائرة.
قصص أخرى:
للمزيد من القصص الشبيهة اطلع على: قصة آخر النفق، سماعة تكشف الخطيئة، عشر سنوات من العطش.
أو اطلع على الصفحة الرئيسية للمزيد من القصص.




