مقدمة: قصة مؤلمة عن الإدمان وفشل كبدي
بين جدران المستشفيات، تُكتب قصص لا تصل إلى الصحف، ولا تُروى في المجالس.
قصص لأناس عاديين — سقطوا لا لأنهم أشرار، بل لأنهم بشر ضعفاء.
في هذه القصة الطبية الإنسانية، نتابع حكاية مريضٍ شاب أرهقه الإدمان، حتى صار الألم لغته الوحيدة.
لكن خلف الصفار، والإبر، والأشعة، تقف رسالة صامتة:
أنّ الرحمة ليست ضعفًا، بل الفهم الحقيقي للإنسان.
قصة مؤلمة عن الإدمان وفشل كبدي: بين ضعف البشر ورحمتهم
بين الحين والآخر تظهر القصص التي تُسكب علينا كالعبر، ثم تنتهي. قد نعيشها بأنفسنا، أو تُروى على مسامعنا، أو نراها تحدث أمام أعيننا.
قد لا نفهم مغزاها إلا بعد مرور برهة من الزمن. وقد تمر أمامنا وتعمى أبصارنا عن العلم الكامن فيها.
بعض هذه الحكايات لا تنبع عن كارثة أو حدث ثوري. بل تكون قصة عادية، لأناس عاديين نتشابه معهم في الصفات، والطبقة الاجتماعية.
نصدر الأحكام على أبطالها دون أن ندرك، أن عزيزًا علينا قد يصبح طرفًا فيها يومًا ما.
هذه القصة تُصنف من تلك القصص.
تبدأ القصة في وحدة المناظير والجهاز الهضمي. وقفت أخت الضحية لتستفسر الطبيب عن حالته: “الألم الذي سكن جسده قد أضناه. ابحثوا عن الحل فهو لا يتحمل”
يمتص الاستشاري قلقها ببضع كلمات مطمئنة وينطلق لرؤيته.
رآه على سرير المستشفى، يتمدد على جانبه الايسر ويتنفس بصعوبة متجنبًا الحركة، كأن الألم يقيد أنفاسه.
كيف جعله الألم في جسده طريح الفراش وقليل الحيلة. لا يرجو من الحياة سوى الخلاص مما هو فيه.
لم يبلغ الضحية عقده الثالث بعد، ولكنه امتلك كبدًا أنهكه الزمن، كأنه عاش قرنًا بأكمله.خلاياه استنزفت طاقتها في معركة دائمة ضد السموم، حتى بات عمرها الحقيقي يحاكي المئة.
اجاباته المقتضبة تنفذ من بين آهات الألم. يحاول بجد مواكبة المحادثة، ويجيب على أسئلة الطبيب بصعوبة.
لقد قضى هذا المريض حياته بين المسكرات، احتسى الشراب أكثر من الماء، واقتنى الزجاجات أكثر من اقتنائه للغذاء.
ودفع الثمن غاليًا في صحته. جسده اكتسى بالصفار، وتراكمت السوائل في الصفاق حتى تمددت بطنه أمامه، رغم نحالة جسده. لا يدري هل يشكو من شكله الذي شاب فجأة، أم يطلب من الطبيب تخفيف الألم.
وهل يا تُرى تعادل المعاناة التي يقاسيها في الوقت الحاضر المتعة التي تلقاها كل هذه السنين. وأين صديقه الذي دعاه للسوء.
عشرة أيام قضاها في المستشفى والابر تنغز جسده بين غفوة وأخرى. والتمريض يتناوبون على ضخ السوائل وتوصيل العلاجات عبر الوريد.
اجتهد الأطباء في علاجه وقاموا بتحاليل مكثفة، غرضها تجاوز الواضح والبحث عن الدفين. كان استبعاد جميع التشخيصات الأخرى المحتملة حق المريض على طبيبه.
وكل تحليل يأتي يتبعه أشعة، وكلها في النهاية تعيدنا إلى نفس النتيجة. فشل كلوي سببه شرب المسكرات. لقد حكم على نفسه بهذه المعاناة بسبب السبل التي سلكها.
يتساءل الطبيب وهو يفحص هل يوجد نزيف داخلي بعد خزعة الكبد، أم أن التهاب الكبد يقربه من أجله شبرًا.
يناقش الحالة مع زميله ويقرران عمل أشعة مبدأيه لاستبعاد المخاوف التي تبادرت إلى أذهانهم. ويباشران في وصف المسكنات حتى يصلوا لمصدر الألم.
وبعد فحوصات أخرى تتوقف التساؤلات ويظهر ما قد خفي قبل ساعات.
لم يحاسبه القانون على أفعاله، ولكن الأعراض التي تراوده تكبل أطرافه وتمنعه من التراجع خطوة لمداركة الأمور.
كم من نفس تسوق نفسها للتهلكة، ولا تعلم متى تتوقف. تجربة تتبعها تجربة أخرى وينتهون بالإدمان.
يأتيهم الواعظ ويلقي المحاضرات، يتمهلون قليلًا في الفعل ومن ثم يعاودون الكرة، ليس بسبب عجزهم عن التوقف، ولكن بسبب ضعفهم عن المقاومة.
ولكن رغم ذلك نقول ان هذا الرجل ليس شرًا مجسدًا، بل هو مبتلى، ضحية لإدمانه.
غلبه ضعفه حتى أصبح دون حول أو قوة.
في النهاية، ليس الهدف من رواية القصة إصدار الأحكام، بل تذكير النفس قبل الآخرين، أن في الضعف البشري حكايات لا تُروى، وأن الرحمة لا تعني التغاضي، بل الفهم والتفهم
المغزى والتأمل:
الضعف البشري ليس خطيئة، بل حالة وجودية نمرّ بها جميعًا بأشكالٍ مختلفة.
هذا الرجل لم يكن مجرمًا، بل ضحية لعجزه عن المقاومة.
القصة تذكّرنا أن الرحمة لا تُلغِي المحاسبة، لكنها تُضيف إليها البصيرة — أن نفهم قبل أن نحكم، ونواسي قبل أن ندين.
ليست كل الجراح تُشفى بالدواء، وبعضها لا يشفى إلا بالفهم.
قصص أخرى:
من نفس السلسلة: اضطراب الوعي – حكاية طبيبة من مستشفى مكة
من القصص الفلسفية: في كل منزل ثقب أسود
تصفّح: قصص من الطب والحياة




