المقدمة: قصة كرسي جابر
ليست كل الحكايات تُروى للمتعة وحدها؛ فبعضها يُقال ليكشف لنا كيف تُصنع السلطة، وكيف يمكن لشيء صغير أن يغيّر نظرة الناس إلى صاحبه. في قصة “كرسي جابر” نسافر إلى زمن بعيد، إلى قصرٍ كان يومًا ملاذًا للفقراء وموطنًا للكرم، قبل أن يتبدل حاله مع قدوم وريثٍ مختلف الطبع. ومن خلال سلسلة من الأحداث الغريبة والرمزية، تتحول قطعة من الذهب إلى رمزٍ للقوة والهيبة، ثم إلى تقليدٍ اجتماعي يرافق أفراح الناس.
هذه الحكاية ليست مجرد قصة عن قصر وملك وكرسي، بل تأمل في طبيعة النفوذ، وفي الطريقة التي قد تمنح بها المظاهر بريقًا يخدع العيون ويصنع تاريخًا كاملًا.
القصة كاملة: قصة كرسي جابر
في زمن الغابرين الذين تطاولوا بالبنيان دون رافعات كهربائية، وكسوا الأسرة بالحرير والريش دون مكائن خياطة، وأناروا الكهوف والغرف الصغيرة دون مصابيح تعمل بكبسة زر. في ذلك العالم الآسر، وقع في قلب المدينة قصر، ازدانت أسواره بالأحجار الكريمة، واخضرت حديقته من فرط العناية والسقاية في تلك الصحراء القاحلة، وارتفع بناؤه واتسع حتى إنه يكفي جمهورية بأكملها. سبعة أدوار، في كل دور منها سبع غرف نوم، وثلاثة مطابخ، وعدة غرف للاستقبال وتناول الطعام.
كان في العهود السابقة مقرًا للجوعى ومستقبِلًا للمساكين، يكسوهم بالثياب، ويطعمهم حتى تمتلئ بهم البطون. من ثراء مالكه الفاحش لم يفلس قط، بل كان ماله يتضاعف كل يوم. إلى أن جاء العهد المسموم.
سبعون عقدًا انقضت والقصر يحفل بالناس ويجمع شملهم. وكل شخص خطا في ذلك القصر لامسه الحرج من كرم قاطنيه، فلا يتوانى في تقديم أغلى ما يملك ردًا وعرفانًا، وهكذا تنامى الثراء وأفاض. تحف فنية من نحّاتي المدينة تزين أركانه، ولوحات الرسامين معلقة على كل حائط، وحرير يكسو الأسرة والأجساد، وكنوز نفيسة مخفية بين ثنايا أدراجه وفي المخازن. غرفه لا تطالها الغبرة بسبب حرص قاطنيه على نظافته، وحدائقه خضراء طوال العام من سقيا المارة، وطعامه لا ينفد من وفرة المحاصيل التي تحيط بالقصر، ومن عطاء أغنياء القرية.
تحقق كابوس المدينة وقضى مالك القصر نحبه في يومٍ ضبابي ومظلم، وكأنه ينقل المستقبل الذي سوف يخلفه. استمر عزاؤه شهرًا أو ربما يزيد، وهي الفترة التي استغرقها وريثه جابر في الاعتلاء على العرش، ومحو آثاره من القصر.
هذا الوريث كان متجبرًا فلا يسمح لأحدٍ أن يعلو صوته أمامه أو يرتفع نظره إليه، وكان قاسيًا فلا يترك جمالًا دون أن يهلكه، وكان ضيق الأخلاق فلا تسمع منه كلمة طيبة، وكان جشعًا فلا يتوانى عن النهب دون مخافة. وإن عاب شيئًا قرعه تقريعًا شديدًا.
سرعان ما تفرق الناس وانفضّوا من حوله، ليذروا القصر خاويًا. استحال من قصر تجمّل على الدوام بزُوّاره، إلى قصر خالٍ من زينته وخدمه. طالته الغبرة واحتلت أركانه، واختفت الكنوز التي احتفى بها شيئًا فشيئًا حتى انعدمت. اسودّت محاصيله وفسدت، وتقشفت الحديقة حتى عادت صحراء قاحلة. ورغم ذلك استمر المتجبر في جبروته.
في يومٍ منقطع النظير في حرارته، انكبست ذرات الهواء داخل القصر حتى أصبحت كبسولة ضغط خانقة، وتعسر القعود لمن كان انقطاع الأكسجين عنه يعني هلاكه. ترك جابر مئة نافذة مفتوحة سبيلًا للهواء الطلق، ومن ثم خرج عن عزلته قاصدًا البر المترامي. كان يبحث عن هواء يداعب وجهه المكفهر، وصيد وافر يملأ معدته، في مكان بعيد عن سكان المدينة الذين ينغصون أيامه. استعد بالعدة والخيل، ولكن دون رجال ترافقه.
تقصّى مجموعة من اللصوص أحواله، وعلموا شغور القصر من الحرس والخدم، وسمعوا عن الكنوز التي ينوء بها. وما إن لاح القصر في الأفق، أغرتهم كل تلك النوافذ المفتوحة، وكأنها تدعوهم للتفسح بالداخل واقتناص الغنائم. دخلوا من أقرب نافذة تباعًا، وتناول كلٌ منهم طابقًا يختلي به وينال منه ما يشاء.
انطلق اللص الأول وبذر جهوده في تقليب الشراشف والنظر تحت الأسرة، ولم يجد سوى البعوض والجراد وبيوضهم الملوثة. وباشر اللص الثاني بسحب الأدراج وفتح الخزائن، فلم يجد سوى الغبرة التي هاج على إثرها نوبة من الحساسية. ازدرى اللص الثالث جهودهم ودعاهم بالحمقى، ومن ثم التصق بالجدران يتنصت عليها، ويبحث من خلالها عن باب سري ينفذ لمخازن الذهب الكبرى، وظل يبحث جدارًا جدارًا حتى أعياه القيظ وسقط مغشيًا عليه. وتوالت الخيبات حتى أدركوا دأبهم الطائل.
توقفوا عن التنقيب عن الكنوز، وابتغوا حلًا يخرجهم من مأزقهم هذا بأقل الأضرار الممكنة، خاصة مع احتمالية تجريمهم وتعرضهم للعقوبة من قبل صاحب القصر، والتي بالتأكيد لن تكون هينة.
وعندها قرر أحدهم:
“لماذا لا نرمي جميع كراسي القصر من النافذة ونذرها تتهشم، وبذلك يطاله الإجهاد من فرط الوقوف، ويعجز عن الإتيان بنا؟”
أومأ السارقون موافقين الرأي، وباشروا برمي الكراسي واحدًا تلو الآخر، حتى فرغ القصر من الكراسي. ومن ثم غادروا كما دخلوا من النافذة.
أتى جابر بعد حين إلى قصره فوجده في فوضى عارمة. كراسي متهشمة تحت كل نافذة، وشراشف تكشف ما تحتها من حشرات، وخزائن تفيض بالغبرة، وآثار عبث في كل ركن وغرفة. احتقنت عيناه بالدماء، وشدَّ قبضته، وعلت صيحة هزت أركان القصر. نوبة الغضب التي واتته لم يكن لها شبيه، وما نتج عنها كان مصيبة لأهل المدينة.
رحل السارقون دون أثر يدل عليهم، لا عصابة يد تحمل شعارهم، ولا رجلًا ملقى يُعذَّب حتى يُستخلص منه معلومات توقع بهم. تلك كانت وسائل ذلك العصر في الاستنتاج، لا رفع بصمات دقيقة، ولا كاميرات مراقبة تكشف لنا المستور. وظل يهيم في المدينة خمس سنوات كاملة، يقضي الليالي أمام منازل المشتبه بهم مترصدًا، وناصبًا الكمائن للبراء من الناس، ومهددًا للمارة بين الحين والآخر لعل أحدهم يعلم شيئًا.
ترك قصره عرضة للتعفن، وأصبح جسده أهيف، وملابسه مهترئة. شابه في منظره سكان الشوارع الذين لا ملجأ لهم.
وبعد سنوات من الضنى وجد حلًا يخرجه مما هو فيه، ويعيد إليه كبرياءه وجبروته. في ليلة ليلاء، بعد أن خلت الشوارع من المشاة، هشم جدران محل الذهب بكل ما امتلكه من قوة، ومن ثم نهب ما فيه ولم يبق وراءه ولا فصًا واحدًا. دخل قصره المهجور وأشعل النار لأول مرة منذ سنين، باشر بصهر الذهب وأعاد تشكيله في صورة كرسي يدهش الناظر من لمعانه.
وهكذا تربع في قصره من جديد فوق كرسيه المصنوع من الذهب الخالص، ومن ثم فتح الأبواب على مصراعيها، داعيًا الناس لرؤيته وهو في أبهى صورة، رغم قصره الذي أرهقه الهجر. تجمهر الناس حوله واتخذوا الأرض مفرشًا.
وقف يخطب بينهم وكأن أحدهم قد أثقله بموازين الحكم، وسلمه مخازن المدينة ورزق أهلها العاثر. وكأنه عُيِّن ملكًا دون خطاب رسمي أو مراسيم تتويج. انبهر الناس من كرسيه الذهبي حد التجاوز عن أخلاقه النزقة، وقصره الذي بُث فيه الفساد، وتداولوا فيما بينهم خبر كرسي جابر الذهبي.
يتوج الملوك عادة لحكمتهم، أو نفوذهم البالغ، أو أفعال أجدادهم البطولية، ولكن جابر تُوِّج ملكًا بسبب كرسيه الوهاج. انقضت فترة حكمه ما بين شظف دائم ورخاء يخاله الرأي دون أن تطاله يداه.
ظل شعبه يلصقون الفساد في اللصوص المعتدين، وهم على يقين أن جابر ما هو إلا امتداد لكرسيه العظيم، ولا شيء يصدر منه إلا ويُبجَّل. حتى انتهى عصره الرمادي.
حزن الناس إثر موت الملك جابر، ولكنهم حمدوا الله أن الكرسي باقٍ لمن يرثه بعده. تجاوزوا حزنهم سريعًا وباشروا بترميم القصر استعدادًا لاستقبال ملكهم التالي. ولأن جابر لم ينجب له خليفة، حصلت مقارعات عدة، ووقع الاختيار في نهاية الأمر على رجل من عامة الشعب يدعى فهد.
ما إن عاد القصر لازدهاره اختفت هالة الاندهاش التي أحاطت بالكرسي، وأصبح امتدادًا للقصر الملكي. وما عاد مصيره مهمًا في قرار الحكم.
ومع تحسن الاقتصاد عادت أعوام الرخاء والبذخ في الإنفاق. وابتدأ الملك فهد عادة جديدة غيرت من مجرى التاريخ. عقود مضت والذهب يزين مجلس الأمراء بعيدًا عن لباس النساء. وفي ليلة زفاف ابنة الملك فهد، رُشت الأرض وردًا، وعُلقت الفوانيس على الأبواب، ووضع على المآدب اللحم والفطير، ولم يتبق سوى عقد يزين لباس ابنته الوحيدة. أخذ الملك فهد قطعًا من الكرسي وصهرها، ومن ثم قدم إلى ابنته أجمل وأكبر عقد صُنع لعروس.
تلا ذلك زواج ابنة الخياط، صنع لها فستانًا يدمع المآقي من جماله، وحذا حذو الملك فهد وصهر لها من ذهب الكرسي وصنع عقدًا لها. وكان زفاف ابنة الفزاز، والحداد، والخشاب على نفس المنوال، كل منهم صنع حلية وألبسها لابنته. حتى أصبحت عادة وتقليدًا.
وسُمّي عقد الزفاف بـ”كرسي جابر” أو “كرسي فهد” كناية عن الكرسي الذي أُخذ منه.
وهكذا يحول عقد الذهب المرأة إلى عروس، كما حوّل الكرسي الذهبي الأنقاض المهجورة إلى قصر ملكي، وحوّل صاحبه إلى الملك المنتظر.
ملاحظة الكاتب: إن القصة هذه من وحي الخيال، أي تشابه مع أحداث أو شخصيات حقيقة فهو محض مصادفة.
قصص أخرى: قصة كرسي جابر
للمزيد من القصص اطلع على:
أو اطلع على جميع القصص.




