رحلتي مع الغسالة: قصة طريفة عن الكبرياء.
قصة واقعية طريفة عن طبيب يحاول إصلاح غسالة الملابس بنفسه لينتهي الأمر بدرس ثمين حول التواضع وأهمية الرجوع لأهل الخبرة.
القصة كاملة:
في كل أسبوع يمضي تتراكم عليّ المهام، منها ما يُنجز خلال إجازة نهاية الأسبوع ومنها ما يرحل إلى الأسبوع القادم. كنت في ذلك اليوم أقضي أمسية أخرى هادئة بعد نهار طويل. أفتش بين مهامي المتبقية عما يتوجب فعله قبل أن تلاحقني خيبتي.
ووجدت على أعلى القائمة غسيل الملابس. إن غسيل الملابس ليس مثل دونه من المهام المنزلية، غياب قطعة من اللباس قد تلغي نزهة بالكامل، أو تجبرنا على أن نظهر بشكل غير لائق أمام الناس. ولذلك لم أجد خيار الترحيل للأسبوع القادم متاحًا.
تركت دفتر المهام -الذي يُرجى القيام بها- وتوجهت إلى غرفة الغسيل، وبعناية غير متوقعة وجدت الملابس مقسمة إلى ثلاثة أقسام، قسم للأبيض، وقسم للملون، وقسم لملابس الطفلة سارة. وفي رأسي رسمت الخطة، ملابس سارة مليئة ببقع الحبحب وبقايا اللبن، ولا تملك ما يكفي لنهاية الأسبوع. حشيت ملابس سارة في غسالة الملابس تباعًا حتى نفذت، ومن ثم أغلقت الباب، وملأت الدرج بسائل الغسيل، وأخيرًا ضغطت زر التشغيل.
وبينما أتوجه للخارج ألملم أفكاري وأحسب كم رداءً طبيًا لدي، ومتى الحد الأقصى لغسل المزيد، وقررت على حين غرة غسل جميع الثياب اليوم ولو استغرق الأمر ساعات، وذلك استباقًا للأمور قبل أن يسبقني الوقت.
أغلقت الأضواء وأوصدت الباب على مسامع صافرة غسالة الملابس وهي تعلن بداية دورتها الأولى لليوم. أنصرف لبقية مهامي ظنًا مني أن المهمة قد أُنجزت. ولكنني لم أدرك أن الطنين هذه المرة قد صدر عن حدوث خطأ. وبعد عدة ساعات أعود إليها وأجد الملابس كما تركتها جافة، ومليئة ببقع الحبحب.
أعدت الخطوات وضغطت زر التشغيل من جديد، واستمرت المشكلة في الحصول حتى بعد المحاولة الخامسة.
في العادة عندما تصدر المكائن الطنين، تكون بحاجة إلى إعادة تحميل، أو إقفال وإعادة تشغيل، ولكن أيٌ من الحلول التي أثبت الزمن فعاليتها لم تجدِ نفعًا، ولم يجدِ أيضًا تصريف المياه، ولا غسل الحوض، وعندها تيقنت بضرورة طلب المساعدة، وكان أحمد على قدر المسؤولية.
أحمد طبيب أمراض القلوب، وقد تنامى في داخله شعور التحدي. إلى أي درجة تختلف قلوب المكائن عن البشر؟ هذا ما سنعرفه في السطور التالية. قضى ساعات وساعات يفك ربط المسامير، ويزيل الهيكل. يعاين القطع، ويفصحها بعينه الفاحصة، قطعة تتلو قطعة، حتى تكشفت المكينة وما بداخلها من تقنية. وظن أحمد أن كشف ما تحت الستار يكفي لكشف الستار وتصويب المشكلة. بعد فحص دقيق والكثير من الشد والربط وجد أحمد ضالته.
أخرج قطعة من أسفل الحوض وقرر أن منظم الحرارة هو مفتاح الحل. تمعن القطعة التي تعلوها الغبرة عن قرب وقال بفخر “كم أنا عبقري”.
أحمد الذي ينتظره امتحان بعد أسبوعين قد قضى لياليه يستذكر الميكانيكا بدل الطب.
اتصل على الفني لا ليطلب المساعدة، ولكن لأنه اعتبره بائع قطع الغيار، ودار بينهما حوار:
- “حصل عطب في الجهاز، ولقد تداركنا الأمر ولا نريد منك سوى قطع الغيار” قال أحمد والثقة تُثقل من كلماته.
- أجاب العامل: “أرسل العنوان وسوف آتي لتشخيص المشكلة أولًا ومن ثم تسعير الخدمة”
- فرد أحمد مزهوًا بنفسه “لا أحتاجك للتشخيص فقد شخصت المشكلة وحدي”
- “وما هي المشكلة؟”
- “حساس الحرارة معطل، ولقد استخرجته، ولكنني أحتاج إلى قطع غيار. وبالمناسبة أعرف كيفية تنصيبها لا أحتاج منك سوى توفير القطعة.”
- “ما شاء الله، أنت فنان، فنان، نصبها بنفسك” ومن ثم أكمل ساخرًا ” أرسل العنوان وسوف آتي بالقطعة وأقوم بتركيبها، ومجمل السعر ٥٠٠ ريال”
- “لا حاجة للتركيب، كم يبلغ ثمن القطعة؟”
- “٣٥٠ وريال سعودي”
- “حسنًا اجلبها وسوف أركبها”
وهكذا اتفقا على أن يركب الميكانيكي أحمد القطعة المعطلة – حسب ظنه – ويكتفي الفني بتوفيرها وحسب.
أحمد الذي جابه الاستشاريين من فوقه، وأضاف إلى علمهم قبل أن يضيفوا إليه، قد قرر أن يكتسح مجال الميكانيكا متفوقًا على كل من سبقه. تنامى فضول الميكانيكي أحمد، ولم يخمده حل المشكلة، فأصبح يقرأ للاستزادة ومعرفة المزيد، ومن خلال بحث قصير على الانترنت وجد القطعة بسعر مخفض لا يتجاوز ٩٠ ريالًا.
اكتشافه هذا وضعه على قمة الجبل، وأصبح ينظر إلى الناس تحته وكأنه من علياء القوم. لقد تعدى أحمد عجلة التنمية التقليدية بركلة واحدة، واضمحلت الحاجة لكل ما ظنه ضروري.
أعاد الاتصال بالفني وقال: “يا هذا… لقد تدبرت أمري، ولدي شخص آخر يقوم محلك”.
لم يستجب لرجاء الفني وهو يرغبه في خدماته عن طريق تخفيض السعر، ويحاول بنضال ثنيه عمّا ينوي فعله. وكلنا ندرك أن الشخص الآخر الذي سوف يقوم محل الفني هو أحمد ذاته، ومفكه الذي تعلم استخدامه بالأمس.
وحصل ما تمنى أحمد، ساعات انقضت فإذا بالقطعة البديلة تشرف أمام الباب. أخذها متحمسًا وأبدلها ببعضها. لقد أبدل القطعة الأصلية بأخرى رخيصة، وأعاد تشغيل غسالة الملابس وفي أذنه تُعزف أغنية الانتصار، ولكن لم يحدث شيء. وتلا ذلك ١٠ محاولات أخرى لتشغيل الغسالة دون جدوى.
في كل مرحلة كان يدلفها أحمد أثناء رحلته مع تصليح الغسالة، كنت أذكره بضرورة الاستعانة بمختص، ولكنه في كل مرة يصر على علمه الذي تعلمه للتو، وكيف أنه بخبراته التي تتجاوز الخمسة دقائق قد وفر على نفسه ٥٠٠ ريال. يقول كلماته تلك وهو يشير إلى جيب خيالي على قميصه، عندها سلمت له الأمر وآثرت الصمت.
وعندما تقطعت الطرق، وعجز الذكاء الصناعي عن حل المشكلة، اتصل بالفني الذي هاتفه بالأمس وكله كبرياء.
تقدم الفني وعاين المشكلة في دقائق، ومن ثم تلا تشخيصه الحاسم: ” إن العطل الذي كنت تصلحه بالأسفل لم يكن عطلًا من الأساس، بل إن العطل هنا في لوحة التحكم الرئيسية، يا معلم.” ولم يكتف بذلك، بل أخبره أيضًا أن محاولاته لإصلاح القطعة السليمة قد تسبب في النهاية إلى خرابها.
وهكذا أخرج أحمد من جيبه الوهمي ٥٠٠ ريال وعليها ٢٠٠ ريالًا إضافية ليصلح كبرياءه قبل أن يصلح غسالة الملابس. وقدم الفني له درسًا لا يُنسى.
وهكذا ثبت أن العلم لا يؤخذ إلا من أصحابه، حتى مع وجود الذكاء الاصطناعي.
“المعلم ليس من علم كل شيء…. بل من اختص بعلمه دون سواه”
وهكذا يصبح الميكانيكي معلمًا على الطبيب.
للمزيد من القصص:
اطلع على قصة: الثقب الأسود
أو زر الصفحة الرئيسية واستكشف بقية القصص.




