المقدمة: فوائد القصة وأهميتها في فهم الإنسان للعالم

منذ فجر التاريخ والإنسان يروي القصص لينقل تجاربه ويعبّر عن ذاته، حتى قبل أن يعرف تعريفًا واضحًا لـ فن القصة أو يحدد عناصرها وأسبابها.
لقد كانت القصة منذ القدم اللغة المشتركة بين الشعوب، والمعرّف الذي لا يُعرّف — يشعر بها الناس وهي تُروى، ويميّزونها بالفطرة عن بقية أشكال الكلام.

كانت القصص وسيلة الإنسان الأولى لفهم العالم من حوله، فهي ليست مجرد حكايات للتسلية، بل أداة للتفكير والتفسير والتعبير عن التجربة الإنسانية.
ومنذ العصور القديمة، كان الناس يفرّقون بين ما يُتداول من الأخبار اليومية، وبين ما يُروى على شكل قصة تنبض بالحياة والمشاعر.

ما الفرق بين الخبر والقصة؟

يُعد الفرق بين الخبر والقصة من أعمق الفوارق التي تُظهر جوهر الأدب الإنساني.
فالخبر يقدّم الحدث كما هو، في حين أن القصة تتجاوز الحدث لتكشف عن تناقضات الحياة الاجتماعية والنفسية، وتفتح نافذة على أعماق الإنسان التي لا تُرى بالعين.

بينما يصف الخبر ما وقع، تحاول القصة أن تُفسر لماذا وقع، وأن تلتقط المشاعر الخفية خلف الأفعال.
فالقصة تقع في منتصف الطريق بين الواقع الملموس والبعد الداخلي للنفس البشرية، ذلك البعد الذي لا يُدرك إلا بالخيال والتأمل.

على سبيل المثال، يمكن أن نسمع خبرًا عن رجل عاش حياة عادية، تزوج وأنجب وعمل مثل غيره، ثم مات جوعًا.
لكن عندما تتحول هذه الحكاية إلى قصة أدبية، تصبح تجربة إنسانية مؤثرة تكشف معاناته مع الفقر، ونبذ المجتمع له، وتغريبه عن عائلته، وشعوره بالوحدة حتى الموت.
الفرق إذًا أن الخبر يروي ما حدث، أما القصة فتنقل كيف شعر الإنسان حين حدث ذلك.

القصة كمرآة للإنسان والمجتمع

يصعب وضع تعريف واحد للقصة، لأنها تتخذ أشكالًا عديدة باختلاف الثقافات والعصور. فهي تشبه مفاهيم كبرى مثل الزمن، الحب، والحياة — ندركها جميعًا، لكن يصعب حصرها في جملة واحدة.

وبأبسط عبارة، يمكن القول إن القصة هي اكتشاف ما هو غير عادي في الحياة العادية.

لقد صمدت القصص عبر التاريخ رغم تغيّر الأزمنة واللغات.
تجاوزت حدود الزمان والمكان، وامتزجت مع الشعوب حتى أصبحت تراثًا إنسانيًا مشتركًا.
ولذلك نجد قصصًا متشابهة في مختلف الثقافات — لأن جذورها متأصلة من نفس التجربة الإنسانية التي توحّد البشر مهما اختلفت لغاتهم أو بيئاتهم.

” أي سر هذا الذي يجعل نجرد الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوى يمكن لكائن بشري أن يموت من أجله، أن يموت جوعًا أو بردًا أو أي شيء آخر، لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه وهو أمر في نهاية المطاف، لو أمعنا النظر لا ينفع في شيء”

-جابرييل جارسيا ماركيز

فوائد القصة:

1-         تساعدنا في فهم العالم من حولنا:

إن حكاية القصة كانت إحدى الطرق التي يستخدمها البشر لترجمة العالم من حولهم، من خلال تصوير الأحداث في كلمات يفهمون معناها، ويتعرفون عليها، وبالتالي يؤثرون فيها.

هي أيضًا تعيد خلق المشاهد والمواقف وتجعلنا ننظر إليها من زاوية أخرى. إن هذا يساعد الراوي في التخفيف من حدة الموقف ويجعله يدرك الأمور التي غابت عنه وهو في عز الحدث. 

هي مثل وضع المشهد في إطار ودراسته عن بعد. وينتج من تلك الدراسة تطور الفهم، وزيادة في الخبرة.

وهذا يضيف لحكاية القصة عنصر المواساة، فكم من همٍ وجد حامله السكينة بعد البوح بقصته.

نحن لا نعي معظم الوقت أننا نستخدم القصة كشكل من أشكال التعبير عن النفس. ولكن جميع البشر يمرون بذلك، وبالتالي فإن جميع البشر -وإن لم يدركوا- يصبحون بعض الأحيان الطرف الراوي في القصة.

نحن لا نفهم العالم من خلال ما نقصه وحسب، بل أيضًا من خلال ما نقرأه من القصص التي حولنا. تصعد مشاعرنا من القاع أمام حزن الفقدان عندما يشعر به بطل القصة. وكأننا نعيش الموقف من جديد. 

وذلك ينطبق على المشاعر الأخرى التي تمر علينا في حياتنا ولا نجد من يشاركنا فيها أو يصعب علينا تفسيرها. لذلك يبحث بعض الناس عن السلوى والمواساة بين صفحات الكتب.

2-         تعزز التعاطف الإنساني

لن نشعر بشعور أحدهم بكل صدق حتى نمر بما يمرون به. ويصعب أن يجرب الانسان كل شيء وهو لا يمتلك إلا حياة واحدة.

ولكن أقرب شيء لمعايشة الأمر هو رؤيته أمام عينيك يتمثل بكل تفاصيله في الأحرف والكلمات. فكما ذكرنا سابقًا لن يشعر الغني الذي يتخم معدته بالطعام كل يوم بمعاناة الفقير الذي بالكاد يجد قوت يومه. 

ولكن يمكننا أن نقص عليه تلك التفاصيل التي يمر بها الفقير، لعله بذلك يتعاطف معه. وهذا يجعل الغني ميالًا للصدقة ومساعدة الجوعى من الفقراء والمساكين.

إن من خلال القصة، نختبر مشاعر الآخرين دون أن نعيش مآسيهم فعليًا. نغضب، نحزن، نفرح، ونحب معهم. وهذا يعزز قدرتنا على التعاطف وفهم وجهات النظر المختلفة، ويجعلنا أكثر إنسانية في تعاملنا مع من حولنا.

قد تعطي الأفلام مفعولًا مشابهًا، ولكن القصص والروايات تختلف مع الأفلام في أمور عدة ناقشناها مسبقًا في مقال الفرق بين السيناريو والرواية

3-         تخلّد التجارب والمعاني

الروايات الكلاسيكية لا تزال تُطبع منذ قرون وتُقرأ من قِبل الناس، وبل تعرض على الشاشات. وتتنافس شركات الأفلام والمونتاج على صناعة أفضل نسخة من الراوية.

لن تجد هذا ينطبق على الأفلام الوثائقية، ولا الكتب العلمية. وهذا ليس تقليلًا في أهمية الكتب العلمية، ولكنه دلالة على مدى انتشار القصة وتأثيرها الذي يستمر وينتقل عبر العصور.

لقد نحت الفراعنة قصصهم على الجدران، وإن قابلت عالم آثار أو مترجمًا عريقًا فسوف يخبرك بتفاصيل لن يصلها إلا مطلع على ثقافتهم. كلها وصلت من خلال قصصهم التي عبرت خلال التاريخ. 

قد ينسى الناس الأحداث، ولكنهم يتذكرون القصة التي تُروى عنها. إنها أداة للخلود، تحفظ الحكم والدروس واللحظات المؤثرة عبر الأجيال، فتنتقل المشاعر والمعاني من عصر إلى آخر.

4-         تحفّز الخيال وتنمّي الإبداع

قصص الخيال العلمي والفانتازيا صنعت عوالم لم توجد من قبل. آنستنا وحفزت مخيلتنا. 

عندما نروي القصة، نحن نغادر الواقع للحظة ونبني عوالم جديدة في عقول المستمع. هذا التمرين المستمر للخيال لا يصنع الكتّاب فقط، بل يخلق مفكرين، ومبدعين، ومبتكرين يرون في الحياة احتمالات لا حصر لها.

إن الذاكرة تستدعي القصص أكثر وأسرع من استدعائها للمعلومات المعقدة. كأننا نفك شفرة الذاكرة السرية مع كل قصة تدخل أدمغتنا. وهذا يجعلها أكثر قوة وأكثر مقدرة على الاقناع.

5-         توصل الرسائل بطريقة غير مباشرة

القصة وسيلة لإيصال الأفكار والمعاني دون الحاجة للتوجيه المباشر أو الوعظ.  لأنها كما ذكرنا أقرب للنفس، ويسهل على المرء هضمها وتذكرها.

من خلال شخصياتها وأحداثها، تُوصل الرسائل الأخلاقية أو الفلسفية بسلاسة. لذلك نجد الطفل يفهم معنى الصدق من قصة بسيطة أكثر من محاضرة طويلة.

الخاتمة:

إن كنت لا زلت تسخر من زميلك الذي يقضي وقته في قراءة القصص والروايات بعد هذا المقال، فأنا أدعوك لقراءة بعض ما يقرأه لكي ترى العالم من خلال عدسته، وعدسة مئات الأشخاص الذين يقفون وراء هذه القصص.

إنها مفتاحنا لفهم العالم من حولنا، ما يدور بداخلنا ولا نستطيع ادراكه دون ترجمة، وما يحدث في الخارج مع البشر ولا يمكننا تجربته خارج القصص.

هي الطريق لحفظ الثقافة والتاريخ وتمريرها عبر العصور. ولا شيء آخر يعادلها في التأثير على الأنفس وايصال الرسالة دون وعظ.

كل إنسان هو قصة تمشي على الأرض” – فهل نرويها؟

الأسئلة الشائعة حول القصة والسرد:

1. ما الفرق بين الخبر والقصة؟

الخبر ينقل الحدث كما هو، بينما القصة تُضيف إليه البعد الإنساني والنفسي. الخبر يخبرك بما حدث، أما القصة تجعلك تشعر بما حدث.

2. لماذا نحتاج إلى القصص في حياتنا؟

لأنها تساعدنا على فهم العالم والآخرين، وتمنحنا وسيلة للتعبير عن مشاعرنا وتجاربنا، وتنقل القيم والأفكار بطريقة غير مباشرة ومؤثرة.

3. كيف تجعل القصة الإنسان أكثر تعاطفًا؟

من خلال تمكين القارئ من تجربة حياة الآخرين ومشاعرهم عبر الشخصيات والأحداث، فتتوسع قدرته على الفهم الإنساني والرحمة.

4. هل القصة أداة للتسلية فقط؟

ليست للتسلية فحسب، بل وسيلة للتفكير والفهم وإعادة تفسير الواقع. حتى القصص الخيالية تحمل رسائل ومعاني تساعدنا على مواجهة الحياة.

5. لماذا تبقى القصص القديمة خالدة؟

لأنها تلامس القيم الإنسانية المشتركة بين الشعوب مثل الحب، الفقد، والأمل. وهذه القيم لا تزول بمرور الزمن.

6. كيف تساعد القصص على تنمية الخيال؟

كل قصة تفتح بابًا جديدًا للعالم الداخلي. تخيل الأحداث والشخصيات يحفّز مناطق الإبداع في الدماغ ويطور التفكير الابتكاري لدى القارئ.

7. هل يمكن للقصة أن تغيّر حياة إنسان؟

نعم، لأن القصة تُلامس اللاوعي وتعيد تشكيل القناعات. قصة واحدة قد تُلهم شخصًا ليغيّر طريقه أو يرى العالم بنظرة مختلفة.