مقدمة: صفعة في الزقاق

في المدن المزدحمة لا تحتاج المآسي إلى أحداث كبيرة كي تبدأ.

أحيانًا يكفي صوت خافت، احتكاك بسيط بين سيارتين، أو لحظة ضيق في طريق مكتظ حتى تنكشف طبائع البشر.

هذه القصة ليست عن سيارة خُدشت، بل عن إنسان كُسر.

القصة كاملة: صفعة في الزقاق

“دق…” كان هو الصوت الذي أشعل الفتيل.

لم يُسمع له دوي، ولم ينتج عنه حطام، ولم يلتفت إليه أحد، ولكنه ظن لوهلة أنه سمعه، ولا أصدق من أذنيه سوى عينيه، والتي بدورها أكملت المشهد.

حدث ذلك في زقاق مزدحم، يبتدأ بأرض رحبة على إحدى جانبيه، والتي كانت في السابق سبيلًا للتوسع وركن السيارات، ولكنها تحولت الآن إلى حفرة كبيرة لا تضم سوى أساسيات البناء والشاحنات المحملة، ورغم أنها مسورة من كل جانب إلا أن الغبرة تطال العابرين. وإذا ما تقدمت في الزقاق قليلًا وجدت السيارات تعم جانبي الطريق، تستهل بالنظام، ولكن ما يلبث قليلًا حتى يستحل إلى فوضى عارمة، ومع كل سيارة مركونة جانبًا تمر بها يضيق الزقاق أكثر وأكثر حتى يصبح ممرًا واحدًا يكفي لبشري واحد أو سيارة.

على يسار الزقاق مستشفى يقصدها الآلاف يوميًا، ويمينه فندق لا يخلو أبدًا من المعتمرين، وخاصة في العشر الآواخر من رمضان.

إن هذا الممر ليس زقاقًا حقًا، ولكنه أصبح كذلك بفعل ما اكتظ به، وإن جرأت يومًا على إفراغه من السيارات والمارة سوف تجده طريقًا منبسطًا يسع سوقًا برواده.

وإن سرت يومًا دون شغل يشغلك، وقررت نقد المارة وما يفعلون فسوف تجد أخطاءً كثيرة تستدعي التصويب، نفايات خارج الأماكن المخصصة، وحمام يهش القطط، وأناس ترمي بالسيجارة قبل أن تخبو. ولكن أكبرها وأكثرها وضوحًا هو إيقاف السيارات في أماكن مخصصة للسير، وهذا ما فعله ذلك الرجل.

في مركز الزقاق، حيث يلتقي المار بالقاعد، ركن ذلك الرجل سيارته – التي اشتراها بالأمس- مستعرضًا بذخه المقزز، كأنه يطلب من المار أن ينهشها، ولكن أن يتحمل بعد ذلك نتيجة أفعاله.

وبينما تداري السيارات المارة المساحة الضيقة للالتفاف والخروج من الشارع بأمان، وقع أحدهم في الفخ و”دق” سيارة المدعي، وكان له بالمرصاد. اقترب المدعي ضخم الجثة من سيارة المذنب وأخرجه من مقعده، وظل ينهشه بالنظرات. انكفأ المذنب الأهيف بين براثن المدعي، فما كان له سوى أن يعتذر بصوت مرتجف.

لم يسمع المارة ما قيل، ولكن الأمر انتهى بصفعة على وجه المذنب ودفع به لداخل السيارة، بينما عاد المدعي إلى سيارته ليبحث عن الضرر، ولكنه لم يجده.

وهكذا يصعد القوي فوق الضعيف دون مبرر واضح.

روابط شبيهة: صفعة في الزقاق

للمزيد من القصص الشبيه اطلع على القصص التالية: