مقدمة:

في لحظة صمتٍ طويلة أمام الجدار، تنشأ الحكايات التي تغيّرنا.
هذه القصة القصيرة تحكي عن شابٍ وحيد يقضي وقته في غرفة انتظارٍ باردة، قبل أن تقتحم حياته فتاةٌ تحمل جهازًا غريبًا بحجم الكف — “كيندل” — الذي يصبح نافذته إلى عالمٍ آخر.
قصة عن الوحدة، والملل، والقراءة الرقمية، وكيف يمكن لكتابٍ واحد أن يضيء عتمة يومٍ كامل.

القصة كاملة:

أجلس وحدي مواجهاً الحائط ولا بشر أمامي. من فرط الوحدة بدأت أحاور الحائط بنظراتي. أناظره بملل فيواجهني بثباته، اغمز له ويبقى صامداً صامتاً لا يهزه شيء.

أيأس منه فألتفت إلى الكرسي، أتحسسه لأعاين جودته فيلتصق بيدي سائلٌ مقرف، أفرك يدي ببعضها فيجف مخلفاً وراءه دبقاً مزعجاً. أراقب عقارب الساعة ودقاتها تثير حنقي، لم يمضِ من الوقت سوى خمسة دقائق. بدأت أقلق. تناهى إلى مسامعي صدى ضحكاتهم المزعجة. أنا هنا أحسب الزوايا وأتحسس الكراسي بحثاً عما يسليني، وهم في غاية الانبساط. أغلقت عيني لأكبح غيظي وأبث حقدي في الأجواء.

دقائق أخرى من البؤس ومن ثم ظهرت فتاة تحمل شيئاً في يدها وتمشي بخطوات ثابتة متوجهة نحوي. وقفت دون أن تتفحص الكرسي ثم استدارت لتجلس عليه. صمتي المتراكم فجر فجأة، واندفعت دون تردد لأقول: “انتظري، يوجد سائل غريب مسكوب على الكرسي. سيفسد ثيابك.”

تراجعت عن الجلوس ومن ثم دارت ناحيتي، شكرتني وابتسامةٌ تزين محياها، ابتسامةٌ من فرط عذوبتها خيل إليّ أن بريقاً وهاجاً يتسلل منها. لم أفصح بشيء لكن نفسي تاقت أن تشكرها أكثر لأنها انتزعتني من وحدتي. قصرت الحواجز بيننا وسَهُلَ الكلام. دار بيننا حوار نسيت الوقت من لذته. وبعد مدة غلبني الفضول وأردت سؤالها عما تحمله في يدها. كان جهازاً أسوداً بحجم الكف، وقد أثار اهتمامي.

سلمتني إياه لأتفحصه. تقنيته قاربت الأيباد في تطورها لكن ملمسه ومنظر شاشته كان أِشبه بالكتاب. لم تكن إضاءته بالغة السطوع لحد الإزعاج. دخل قلبي من أول نظرة وسكنه بعد أول لمسة. أخبرتني أن اسمه “كيندل”.

اشتريته اليوم التالي بعد أن قضيت الليل كله أتخبط في هواه. ومن وقتها والكيندل يرافقني أينما ذهبت. توقفت عن مزاولة الملل، ولم يعد يحطمني جمود الجدار أو قذارة الكرسي. كان كنورٍ ساطع وجه نحوي وأنا محتجزٌ في نفق مظلم. كان الوسيط للحياة بعد أن خارت قواي وفقدت الأمل.

مغزى القصة وتأملات:

في زمنٍ تغمره الشاشات الصاخبة، أحيانًا يأتي الخلاص من شاشةٍ أخرى — لكنها تحمل الكتب بدل الضجيج.
القراءة ليست مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل جسرٌ من العزلة إلى الأنس، ومن الجمود إلى الحياة.

قصص أخرى:

اقرأ أيضًا: قصة “الحمام الزاجل والتكنولوجيا”

اكتشف المزيد من قصص مارب القصيرة