هل الكتابة الإبداعية موهبة أم مهارة؟
يدور في عالم الكُتاب صراع دائم، البعض يؤمن أن الكتابة موهبة تنمو مع نمو الكاتب تصقلها القراءة والممارسة، لكن أصلها يعود إلى موهبة الكاتب الدفينة، والتي مع البيئة المناسبة والعمل الدؤوب تتحول إلى إبداعات فنية يمتدحها النقاد فيما بعد، ويحللها الطلاب في حصص الأدب.
الرأي الآخر يقول إن الكتابة كبقية الفنون مهارة يمكن اكتسابها، كما يدرس الرسام في كلية الفن قوانين الأبعاد، وزنية ملامح الوجه، وتناسق الألوان مع بعضها. يمكن للكاتب أن يدرس إلى حد ما أساسيات تكوين القصة، صناعة الحبكة، وابتكار شخصيات واقعية.
في بعض البلدان يوجد من يستثمر الكثير من الجهد والمال لكي يلتحق بكلية لتعليم الكتابة الإبداعية، لكي يجد منظومة متكاملة لتعلم الكتابة. يسخر هـؤلاء الأشخاص أنفسهم لتعلم صناعة الأدب، على أيدي خبراء قضوا سنين عديدة من حياتهم وهم يحللون النصوص ويستخلصون العلم. وبعد ذلك اقتاتوا على القاء المحاضرات، وتنفيذ ورشات العمل لصقل أعمال الآخرين. يستحيل أن نقول أن كل تلك الكليات القائمة على ميزانيات ضخمة، هي في الحقيقة عبث.
ولكن أجد في مجتمعاتنا الكثير من المعارضين الذين يعتقدون أن تعليم الكتابة الإبداعية أمر مستحيل.
إن جميع المقالات الموجودة على هذا الموقع هي دون شك تميل إلى إمكانية تعلم الكتابة الإبداعية، ولكن ما نحاول توضيحه في هذا المقال هو أن تعلم الكتابة يتطلب حسًا أدبيًا كبيرًا. على الرامي أن يعلم لأي مكان يسدد لكي يصيب، والمثل ينطبق على الكاتب, عليه أن يمتلك ذائقة أدبية رفيعة لكي يطمح لبلوغه.
كيف يتطور الحس الأدبي لدى الكاتب؟
إن قواعد الكتابة الإبداعية قد استخلصت دون شك من الأعمال الأدبية ذاتها، عندما نقرأ تلك الأعمال الخالدة ونرى كيف يوظف الكاتب أسلوبه ليخدم القصة، نتعلم شيئًا فشيئًا كيف نوظف أسلوبنا الخاص والأدوات التي نمتلكها لكتابة قصة يشيد العالم بها.
وإن تأملت من حولك، فلن تجد كاتبًا موهوبًا لم يكن قارئًا نَهِمًا في بداياته. يتطلب تطور الحس الأدبي سنينًا عديدة من القراءة والاطلاع، ولكن هذه المرحلة مهمة للغاية لجعل الكاتب كاتبًا.
إن قراءة عمل فني أشبه بتذوق أكلة شهية، مع كل لقمة تأكلها تتمنى أكثر لو كان بإمكانك إعدادها بنفسك لتذوقها بشكل دائم، ويشابه أيضًا حال الرسام المبتدئ عندما يشاهد لوحات المحترفين تزين المعارض الفنية، ويعمل بجد ليصل لمهارتهم يومًا ما ويرسم لوحات تشبهها. فالإنسان بطبعه يطمح إلى تقليد ما يُعجبه، أو مقاربته بأسلوبه الخاص.
لذلك استهدف الروايات العظيمة أكثر من غيرها، ولكن لا تنسى في نهاية الأمر أن على القراءة أن تكون عملًا تستمتع بفعله، لذلك لا مانع من قراءة أي عمل تراه مذهلًا. تتغير الذائقة مع تغير العمر والظروف ولا بأس في أن تتماشى مع ذلك، ستصل ذات يوم وبشكل تدريجي إلى مرحلة ترضيك من الحس الأدبي.
هل يمكننا تعلم الكتابة الإبداعية؟
بعد أن تقرأ العديد من الروايات والأعمال الأدبية يمكنك أن تبدأ بملاحظة ما بين السطور، بالتحديد سوف تستطيع أن تستخلص بنفسك تلك الدروس – التي تدفع المال مقابلها – من الكتاب الذي يقع بين يديك. وهذا ما سنتناوله في هذا المقال. ولكن بالطبع لا مانع في أن يمليها عليك أحدهم اجتهد في استخراجها.
كيف تقرأ الكتاب ككاتب؟
أولًا: اقرأ بتمعن.
مع كل الكتب التي كُتبت في عصرنا وفي العصور السابقة، من السهل جدًا أن تشعر بضرورة ملحة لقراءة ما بين يديك بسرعة قياسية لكي تجد وقتًا للكتب الأخرى خلال فترة حياتك.
إن وجود أساس لغوي جيد ومعرفة بسيطة بتقنيات الكتابة سيساعدك بالطبع على فهم ما يجري بين النصوص، لذلك فإن قدرتك على تحليل النص واستخلاص الأسلوب سوف تتحسن مع الوقت.
بالإضافة إلى أن استيعابك للمادة المقروءة هو فعل تتفرد به عن سواك، ولن تجد من يفهم النص تمامًا كما تفهمه ويستخلص منه ما تستخلصه أنت. لذلك مهما أملى لك الناس، وحلل النص رجال الأدب يبقى دماغك فريدًا في تفسيره وربطه للقصص، وهذا يعتمد على طريقة تفكيرك، مرحلتك العمرية، ظروفك المحيطة، وأمور أخرى كثيرة.
ثانيًا: دقق في تطور الشخصيات.
العنصر الانساني مهم للغاية عندما نحاول سرد رواية، فالشخصيات الروائية مثلها مثل الشخصيات الحقيقية تتغير مع تغير الظروف ومواجهتها للتحديات. لا يجب أن تنتهي الرواية والشخصية الرئيسية كما هي لم تتحرك شبرًا.
مثال: ” فتى في مقتبل العمر، متفوق، خلوق، وموهوب. يطمح للمزيد من التفوق لكي ينضم إلى أفضل الجامعات في المنطقة ولكي يبهر والديه ويحصل على رضاهم. تنشأ بينه وبين أخاه المشاجرات بشكل دائم، وأخته تثير حفيظته ومن ثم تهرب إلى والديها وتشكو لهم ما فعل، وبالمقابل يدافع الوالدين عنها وينهران فعله، ويعود إلى غرفته مغتاظًا وينغمس في المذاكرة. يرى التمييز في معاملة والديه لإخوته رغم تفوقه الدائم وهذا ما لا يفهمه.
يومًا ما تذهب أسرته ضحية حادث مروع، ويبدأ في النظر للأمور من نظرة مختلفة، يفتقد أسرته التي لم يفهمها يومًا، وتدفعه الوحدة إلى الاكتئاب، ومن ثم يفقد رغبته في الاجتهاد وتحصيل الدرجات أو ربما لأنه فقد السبب الذي كان يجتهد لأجله. لا ينتهي به الأمر إلى دخول أفضل الجامعات، ولا يتخرج بمرتبة شرف، وتبدأ أخلاقه في التدهور حتى يبتعد عنه الناس. إن تغيره متوقع لأنه بشري يتأثر بالظروف، بل سيكون من غير الطبيعي أن يبقى كما هو.”
هذا مثال مبتذل للغاية لكنه يوضح التغير الذي يطرأ على الشخصيات تبعًا للظروف المحيطة، وقد لا يكون التغير جذريًا كما هو في المثال، بل قد يكون مبهمًا يؤثر على الشخصية من الداخل دون أن يغير مستقبلها. وقد لا يكون الظرف بهذا الحجم، قد تكون محادثة مؤثرة مع أحدهم، أو منظر يشاهده من بعيد.
تتبع المواقف وأنت تقرأ ولاحظ آثارها على الشخصيات. يخطئ الكثير من الكتاب المبتدؤون ويجعلون تطور الشخصية لا يلائم الحدث الذي يسبقه، كأن يكون مبالغًا فيه أو لا يتماشى مع الشخصية التي بناها في بداية الرواية، مما يجعل القصة غير منطقية.
تطور الشخصيات ضروري لكن يجب أن يتم بالطريقة الصحيحة.
ثالثًا: كيف تُجرى المحادثات في الكتابة الإبداعية.
نحن نتعلم التحدث عن طريق مشاهدة البالغين يتحدثون حولنا ونحن أطفال، ومن ثم نبدأ بالتطبيق ومع مرور الوقت ندرك ما هو مناسب للقول وما يجب الامتناع عن قوله. الأمر لا يقتصر على الجزء اللغوي من الكلام، بل حتى آداب الحديث مع الكبار، واختلاف الحديث حسب المناسبة، ومراعاة الحالة العقلية والجسدية لمن أمامنا. كل تلك الأمور نتعلمها من خلال الحديث.
ورغم أن المحادثات في العمل الأدبي يجب أن تكون واقعية ألا أنها ليست طبق الأصل منها، وليس كل ما يقال في الحياة الواقعية يناسب العالم الروائي. تحدثنا في مقال سابق عن الاختلافات في الحوارات بين العالم الروائي والحقيقي يمكنك قراءته من خلال النقر هنا (كيف تكتب حوارات واقعية لروايتك؟)
اقرأ الحوارات في رواياتك المفضلة، وتأمّل كيف نجح الكاتب في إيصال صوت الشخصية التي أحببتها.
رابعًا: لا بأس أن تنتقد.
إن كنت قارئًا فبالتأكيد ستمر خلال فترة حياتك على كتب لا تستحق القراءة من وجهة نظرك، ولكنك قرأتها على أية حال. على الأقل حاول الاستفادة مما قرأته لكيلا يضيع وقتك هباءً.
حاول أن تحدد تلك الأمور التي وجدتها سيئة في الرواية وتعلم ألا تكتب مثلها. ربما كانت الشخصية مسطحة للغاية وغير واقعية، ربما لم يعجبك تطور الشخصيات، الخاتمة أتت من العدم أو وليدة للصدفة، أو أن القصة بطيئة للغاية.
حاول بعد ذلك أن تحدد ما الذي جعل الخطأ هذا جليًا أمامك، هل هي أخطاء في الوصف الأدبي؟ تسارع غير موزون للأحداث؟ حوارات طويلة ولا تضيف للقصة شيء؟ اختيار وجهة النظر التي يحكي من خلالها؟ بناء خاطئ للقصة والحبكة والاعتماد على المصادفات لمتابعة القصة؟ …إلخ
قد لا تستطيع تحديد الخطأ بشكل دقيق أو سبب حدوثه بسبب قلة خبرتك ولا بأس في ذلك. مع قراءة المزيد من الروايات ستبدأ بالمقارنة ومعرفة الأخطاء بسهولة.
كانت هذه بعض الأفكار حول كيفية تعلّم الكتابة من خلال القراءة. نتمنى أن يكون المقال قد نال إعجابكم.
مقالات قد تساعدك لفهم النصوص الأدبية (مقدمة للوصف الأدبي)، (وجهات النظر في الكتابة الإبداعية).
الخلاصة
الكتابة الإبداعية ليست حكرًا على الموهوبين، بل هي رحلة مستمرة بين الفكرة والمهارة.
اقرأ، لاحظ، جرّب، أعد الكتابة… وستكتشف أن الإبداع لم يكن بعيدًا عنك أبدًا، بل كان ينتظر أن تبدأ.
الأسئلة الشائعة حول تعلم الكتابة الإبداعية
1. هل الكتابة الإبداعية موهبة أم مهارة؟
الكتابة الإبداعية مزيج من الاثنين. فالموهبة تمنح الكاتب الحس الأدبي والقدرة على الملاحظة والتعبير، أما المهارة فتُكسبه الأدوات التي يحتاجها ليصوغ هذا الإلهام في قالب متقن.
الموهبة تُشعل الشرارة، والمهارة تُبقيها متقدة.
2. هل يمكن تعلّم الكتابة الإبداعية من الصفر؟
نعم، يمكن لأي شخص أن يتعلّم الكتابة. كل ما يحتاجه هو رغبة حقيقية في التعبير، وقراءة مكثّفة، وتدرّب مستمر.
الكاتب الموهوب الذي لا يتدرّب يتوقف، بينما الكاتب المتعلّم الذي يثابر يتقدّم.
🔗 اقرأ أيضًا: عوائق تحاصر الكتاب المبتدئين
3. ما أول خطوة لبدء تعلم الكتابة؟
ابدأ بالقراءة التحليلية، لا بالكتابة. اقرأ كاتبًا تحب أسلوبه ولاحظ كيف يصف المشاهد وكيف يتطور الحدث.
بعدها اكتب يوميات قصيرة أو مشاهد تخيلية لتعوّد يدك على السرد.
4. هل أحتاج إلى دراسة أكاديمية لتعلم الكتابة؟
ليست ضرورية، لكنها مفيدة. يمكنك تعويضها عبر الدورات الإلكترونية، المقالات التعليمية، وورش العمل الأدبية.
🔗 جرب الدورة المجانية للكتابة الابداعية: من الفكرة للمسودة الأولى في سبعة أيام.
5. ما أكثر الأخطاء التي يقع فيها المبتدئون؟
- التركيز على اللغة قبل الفكرة.
- إهمال بناء الشخصيات.
- عدم مراجعة النص بعد الانتهاء.
- استعجال النشر دون مراجعة.
- تجاهل رأي القارئ التجريبي.
6. كيف أعرف أنني أحرز تقدمًا في الكتابة؟
عندما تلاحظ أن نصوصك القديمة لم تعد تُرضيك، فهذه علامة تطور.
كل مرة تُعيد فيها الكتابة من جديد بأسلوب أفضل، فأنت تتقدم خطوة نحو الإتقان.
7. كم من الوقت أحتاج لأصبح كاتبًا جيدًا؟
لا توجد إجابة محددة. البعض يتقن الأساسيات خلال عام، وآخرون بعد سنوات.
لكن الكاتب الجيد ليس من يتقن بسرعة، بل من لا يتوقف عن التعلم.
8. هل يمكن أن أبدأ الكتابة بالعربية وأنا معتاد على القراءة بالإنجليزية؟
بكل تأكيد. لكن احرص على قراءة أعمال عربية مميزة لتقوية ذائقتك اللغوية والأسلوبية.
اللغة أداة، وكلما استخدمتها أكثر، ازدادت طواعية في يدك.
9. كيف أطور الحس الأدبي لدي؟
بالقراءة المتعمقة، والملاحظة اليومية، والاستماع للحوارات الواقعية، والتفكير في تفاصيل الحياة الصغيرة.
الحس الأدبي ليس شيئًا نُولد به فقط، بل شيء نزرعه يومًا بعد يوم.
10. ما الكتب التي تنصح بها لتعلم الكتابة الإبداعية؟
إليك بعض الكتب المفيدة للمبتدئين:
- On Writing – ستيفن كينغ
- Bird by Bird – آن لاموت
- The Art of Fiction – جون غاردنر
- فن الرواية – ميلان كونديرا




