مقدمة المقال: احتجاز في دورة المياه
ليست كل القصص تدور في عوالم خيالية أو أماكن بعيدة، فبعضها يولد في أكثر الأماكن واقعية: المستشفيات، الممرات البيضاء، والغرف المغلقة التي تخفي خلفها حكايات لا تُروى.
في هذه القصة القصيرة المشوّقة، نتابع لحظات احتجاز غير متوقعة تعيشها عاملة نظافة داخل مستشفى، حيث يتحول المكان المألوف إلى مساحة مشحونة بالخوف والترقب. بين الجدران الصامتة والأصوات المجهولة، تتكشف تجربة إنسانية تجمع بين التوتر والسخرية السوداء، وتسلّط الضوء على جانب خفي من حياة العاملين في الخطوط الخلفية للرعاية الصحية.
القصة كاملة: احتجاز في دورة المياه
أتحسّس المسافات بين الجدران باحثةً عن مفتاحٍ سحري، أو ثغرةٍ أهرب منها، بعد أن استعصى النفاذ عبر الباب. وما بين تقصٍّ وآخر أجفل من الأصوات الصادرة من الخارج، تلك الأصوات التي احتجزت كياني وأبقتني عاجزة. حولي جدران سامقة مصنوعة من الطوب أو الخرسانة، لا أعلم على وجه التحديد. مغطاة بطبقة من السيراميك السميك، بيضاء ناصعة، يتخللها صفٌّ من الازرقاق الشاحب. جدران حديثة الصنع وخالية من الزخرفة، ورغم ذلك وجدت تفاصيل عدة أقضي وقتي المهدر في تأملها: طبعةُ حذاءٍ على الباب تفضح قذارة صاحبها، وحبل الإنذار يتدلى من السقف بلونه الأحمر القاني، وشقٌّ شطر السيراميك الأبيض إلى نصفين، وخنفساء بريئة تشق طريقها بحثًا عن الغذاء.
كانت المغسلة تقطر ماءً، وكل قطرة تتسرب منها تسلك مسارًا مغايرًا، ومع كل قطرة يصدر ارتطام خافت يزيدني وجلًا. بالتأكيد لم يُصمَّم هذا المكان لاحتجاز رهينة، ولكنه بارع في ذلك.
كنت قد أكملت بضع ساعات منذ احتجازي، أقترب من الباب لأسترق السمع فلا يطالني سوى السباب. أمد يدي نحو قفل الباب وأتأكد من إيصاده للمرة العاشرة، ومن ثم أحتضن يديَّ اللتين لا أملك سواهما وسيلةً للدفاع. أشتت الخوف بإغلاق عيني والتفكير بالوقت الذي قضيته قبل الاحتجاز. السجّان لم يستولِ عليّ فيزيائيًا لأن مفتاح الباب بيدي، ولكنني اخترت الإقفال على روحي حفاظًا عليها مما قد يفعل بها.
خرجت هذا اليوم وأنا مفعمة بالأمل، فهو أول يوم لي في العمل بعد إجازة طويلة. سرّحت شعري تحت طرحتي السوداء، ولمعت أسناني المخفية تحت طبقة من القماش يطلقون عليها نقاب، بينما قاومت الرغبة في رش بضع رشات من العطر لكيلا ألفت الانتباه. إن عاملة النظافة — والتي هي أنا — قد سرقت أنظار المارة أكثر من نظيراتها من الطبيبات اللواتي طالهن عفن الجثث، وسوائل الجسد المنسكبة فوقهن، وقطرات الدم المتناثرة إثر سحب عينات غازات الدم.
دخلت على أول بابٍ موارب، خالية الوفاض تاركةً أسلحتي بالخارج: مكنسة خشبية ذات مقبض بلاستيكي، وممسحة تفوح منها رائحة تسمّم الأعصاب وتبعث على الشلل، ورذاذ معقّم يعمي العيون. وتركت معها هاتفي الذي يصلني بالعالم الخارجي، وهكذا استحال عليّ طلب النجدة أو المحاربة من أجلها. اعتدت أن أتصفح مقاطع التيك توك ذات المحتوى الضعيف بينما أنجز عملي الروتيني الخالي من الروح، ولكنني قررت ذلك اليوم أن على هذه العادة أن تنتهي، وآثرت إبقاءه مغلقًا في درج عربة التنظيف بينما أنهي أعمالي. لم أدرِ أن هذه العادة السيئة كانت لتنقذ حياتي.
واصلت حثيثي حتى صدحت صرخة في الأرجاء، وهرعت لألبي النجدة — كما أفعل دائمًا. وقعت عيني على أول بشر ألتقي به اليوم — أو كان وحشًا ربما — امرأة في العقد الخامس، ذات جسد نحيل وشعر أشعث، مرتدية قميص المستشفى. معتلة البدن والعقل، وبادرت تهددني بسلاحها الذي اغترفته بيدها: سائل كريه الرائحة، أمتنع عن ذكر اسمه. كشّرت عن أنيابي ونكصت من حيث أتيت متجنبة القنابل التي انهالت. سبقت قدمي عقلي، والتجأت إلى أول باب رأيته، وهكذا انتهى بي الأمر محتجزة في دورة المياه.
ساعات مضت وأنا أحتمي بالقذارة من القذارة، وكلما استرقت السمع لا يتناهى إليّ سوى صراخها على الدخلاء الذين تجرؤوا ودخلوا عرينها. وفي كل مرة ينفذ إليّ صوتها تخيب آمالي في كونها قد غفت وسكنت شرورها. أعيد التأكد من تسكير الباب، ثم أرتكز على الحائط. أعدّ ضربات قلبي وأتساءل: «يا ترى كم دقة تبقت على النهاية؟» لا يهمني إن كانت نهايتي أو نهايتها، الفرج بجميع أشكاله مرحّب به.
تتجلى أمامي الذكريات وأفتقد حياتي الرتيبة: تنظيف الغرف المتسخة، والكنس تحت الشموس الحارقة، وترتيب الأحاجي — التي يطلقون عليها تحفًا — على الأرفف. كلها أمور مملة، لكنها لا تشكل خطرًا على حياتي. كما أفتقد هاتفي المليء بالمقاطع السخيفة، ولوائح التسوق للكماليات التي لا تلزمني.
وفي تلك اللحظات الحاسمة قررت كتابة وصيتي، لعل ما واتاني في لحظاتي الأخيرة يثقل أحدهم بحس المسؤولية ويغيّر من مستقبل عاملي النظافة. تفحصت المكان حولي بحثًا عن ورقة أو منديل أكتب عليه، فإذا بالأصوات تعلو بالخارج وتشتد.
- «أعطها جرعة مضاعفة من المهدئات». قال الاستشاري المسؤول عن حالتها بعد أن تلقى صفعة مدوية.
- «ولكن قلبها لا يتحمل» ردت الطبيبة المقيمة بعد أن اطلعت على تخطيط القلب.
- «أعطها حالًا!».
صدحت الإنذارات في الأرجاء (كود وايت)، وتجمهر حراس الأمن مع الأخصائيين الاجتماعيين. تجمعوا ليتوصلوا إلى حل جذري للكيان الذي هدد وجودهم.
صرخات توالت وهم يشرعون في ربطها بالسرير وغرز المهدئات. حلت بعدها لحظات من الصمت المطبق. انفك النزاع، وهدأت الأوضاع، وزال الخوف الذي هدد حياتي، وانتهت حاجتي لهذا الباب الذي يحول بيننا.
عندها أدرت المفتاح، وغمغم صوته لدى الحاضرين. التفتوا إلى الباب وقلوبهم وجلة مما يقبع خلفه: معاون للوحش أم ضحية له؟ هذا ما استشفيته من نظراتهم.
اقترب أحدهم وفتح الباب عنوة، وما إن رأيت وجه منقذي — وهو ثاني وجه أراه لهذا اليوم — حتى فقدت توازني وتثاقلت إلى الأرض، وكأن وقع الفرج كان عليّ ثقيلًا. تلقفوني بأذرعهم وقادوني للخارج، حيث الأمان. إن كنت تألف فيلم تايتنك فقد كان انتشالي من ذلك المكان يشابه انتشال البطلة من فوق اللوح الخشبي بعد غرق وشيك.
ابتلعتني بعد ذلك أفواج من الناس وهم يحمدون الله على سلامتي ويرحبون بنجاتي، ولوهلة توهمت وجود ميكروفون يُمد أمامي وتُلقى علي أسئلة الصحافة:
- كيف نجوت من قنابل القاذورات؟
- كيف كانت تجربة الحبس القسري في دورة المياه؟
- هل تنصحين بممارسة مهنة عاملة النظافة بعد اليوم؟
وعلى الأغلب أن الأسئلة قد انهالت في خيالي وحسب، وما كان اقتيادي للخارج سوى دفع الناس بعضهم بعضًا لينفذوا بجلودهم. وإن كان شيء يستحق سبقًا صحفيًا فإن الاستشاري المصفوع أولى به.
ولكن السبق الصحفي قد حدث بالفعل، غير أن ذاكرة العاملة المضطربة عجزت عن تمييز الوقائع. تداولت الصحف الحادثة، وتناقلتها الألسن، وبقوة صيتها تغيّر تاريخ طاقم العمالة في المستشفيات؛ فقد ضمنت الشركات من بعدها في العقود بدل خطر لكل عامل وجد في مكنسته سلاحًا.





